134 نائبا..معارضة تتجاوز عتبة الثلث بنائبين

0

الانتفاضة

في حسابات تشكيل الحكومة، تتجه الأنظار عادة إلى مقاعد الأغلبية، وأسماء الأحزاب التي ستدخلها، والحقائب التي سيتولاها كل شريك. لكن الرقم الذي يستحق قراءة سياسية دقيقة، في السيناريو المتداول اليوم، يوجد على مقاعد المعارضة: 134 نائباً، أي تجاوز الحد الأدنى اللازم لبلوغ ثلث مجلس النواب بنائبين.
وهذان النائبان فوق العتبة لهما دلالة دستورية فعلية. فمعارضة بهذا العدد تستطيع، إذا نسّقت مواقفها، تفعيل أدوات رقابية مهمة دون الحاجة إلى توقيع نائب واحد من الأغلبية.
من هنا ينبغي قراءة المشاورات التي تقودها السيدة فاطمة الزهراء المنصوري. فهي بصدد بناء أغلبية للحكم، فيما تتحدد على الضفة المقابلة ملامح المعارضة التي ستراقب برنامج الحكومة وتختبر قراراتها.
وبحسب الإشارات والتوجهات المنقولة عن المجالس الوطنية للأحزاب، يجري تداول سيناريو أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، بمجموع 236 مقعداً. وفي المقابل، قد تتشكل معارضة من 134 نائباً، تتقدمها قوتان وازنتان، التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، مع احتمال تموقع 25 نائباً ضمن مساندة نقدية.
وإلى أن تُعلن التحالفات رسمياً، يبقى هذا التوزيع محتملاً. لكنه يسمح بقراءة التوازن السياسي الذي قد يحكم المرحلة المقبلة.
تبدو الأغلبية، من حيث العدد، مريحة. غير أن خمسة أحزاب تستطيع جمع مقاعدها في لحظة التشكيل، بينما يحتاج الحفاظ على وحدة قرارها طوال الولاية إلى برنامج واضح والتزامات مضبوطة وقواعد لتدبير الخلاف.
وفي هذا السياق، توحي بعض التسريبات بأن المنصوري أبقت مهمتها الأولى، وهي تشكيل الأغلبية، في صدارة حساباتها. وإذا صح هذا الانطباع، فإنه يعكس إدراكاً لطبيعة المسؤولية: تحديد من يلتزم بالمشروع المشترك، ومن يستطيع تحمل كلفة الحكم، قبل الانتقال إلى توزيع المواقع.
أما الروايات المنقولة على ألسنة صحافيين، وما تتضمنه من شروط واعتراضات ومطالب، فتحتاج إلى قراءة حذرة. لأنها قد تكون تسريبات لها وظيفة تفاوضية؛ ترفع سقف المطالب، أو تختبر رد الفعل، أو ربما تحاول الضغط على رئيسة الحكومة عبر الرأي العام.
لكن ماذا تعني، عملياً، معارضة من 134 نائباً؟
تعني أنها تتجاوز عتبة 132 نائباً المطلوبة دستورياً لطلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، ضمن الشروط القانونية، ولطلب عرض الحصيلة المرحلية للحكومة، ولطلب انعقاد دورة استثنائية للبرلمان بجدول أعمال محدد.
كما تتجاوز عتبة 79 نائباً اللازمة لتقديم ملتمس رقابة، أو لإحالة قانون إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذه.
وهذه أدوات تمنح المعارضة قدرة على فرض المساءلة: طلب التحقيق البرلماني في ملفات محددة، واستدعاء الحصيلة الحكومية إلى النقاش، ووضع القوانين أمام اختبار الدستورية.
لكن تقديم ملتمس الرقابة شيء، وتمريره شيء آخر.فإسقاط الحكومة بهذه الآلية يحتاج إلى 198 صوتاً؛ أي إن المعارضة المفترضة تحتاج إلى 64 صوتاً إضافياً. وحتى لو انضم إليها النواب الـ25 جميعاً، فستظل بحاجة إلى 39 صوتاً من الأغلبية.
إذن ، بهذه الهندسة، المعارضة تستطيع الضغط والمساءلة، لكن وصولها إلى إسقاط الحكومة عبر ملتمس الرقابة يقتضي كسب أصوات من داخل الأغلبية. ولهذا تبقى هندسة العلاقة بين الشركاء، منذ اليوم، هي المحدد الأساسي لمدى تماسكها غدا.
فهل تبني المنصوري قيادة سياسية للتحالف، قادرة على استباق الخلافات وتفادي المفاجآت غير المحسوبة؟
كلما تعددت مكونات الأغلبية، ازدادت الحاجة إلى آلية تنسيق واضحة، تحافظ على وحدة الاتجاه وتتيح للشركاء مناقشة اختلافاتهم قبل انتقالها إلى التصويت. فالخلاف داخل التحالف أمر متوقع؛ أما تركه بلا قواعد للتدبير، فقد يحول أغلبية مريحة إلى حكومة تتفاوض على سندها عند كل قرار.
وعلى الجهة الأخرى، فإن جمع مقاعد التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية داخل المعارضة لا يعني تلقائياً جمع إرادتيهما. قد يلتقيان في ملف ويختلفان في آخر. وقد تحمل خبرتهما السياسية والتدبيرية ثقلاً في المساءلة، لكن تحويل هذا الثقل إلى عمل مشترك يحتاج بدوره إلى تنسيق واختيارات واضحة.
وهكذا، ستتوقف قوة المعارضة على قدرتها على تحويل العدد إلى فعل رقابي، فيما ستتوقف قوة الحكومة على تحويل التحالف إلى التزام مستمر.
المهمة أمام المنصوري تتجاوز إعلان أسماء الوزراء. إنها تأسيس أغلبية تعرف ما الذي يجمعها، وما الذي يُنتظر منها، وكيف تتحمل مسؤولية الحكم أمام معارضة تمتلك العتبات الدستورية اللازمة لمساءلتها.
236 مقعداً تمنح الحكومة قدرة واسعة على الحكم. و134 نائباً يمنحون المعارضة أدوات معتبرة للمساءلة. أما المفاجآت، فتبدأ حين يطمئن طرف إلى عدده وينسى أن السياسة تُختبر في المواقف والتصويت وتحمل المسؤولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.