الانتفاضة // عبد الرحيم التدلاوي
تندرج مجموعة “سيلفي” للمصطفى لكليتي ضمن إطار الكتابة الجديدة التي تتسم بروحها التجريبية. يتجلى ذلك في سعيها الدؤوب للابتعاد عن تقاليد القصة الكلاسيكية، عبر بحثها المستمر عن تشكيل فني مختلف يستوعب مستجدات الواقع وقضاياه الملحة. تُؤكد المجموعة على أن الكتابة هي مغامرة وسؤال عن الذات، حيث تتلاعب قصص العمل بالحكاية من خلال تكسير نمطيتها التي تقوم على تتابع الأحداث بشكل خطي تقليدي، مما يجعل القارئ جزءًا من اللعبة، ويشاركه في التلاعب بالأحداث وتشكيلها بطرق غير معهودة تنأى عن انتظام الشخصيات والأحداث.
يسعى الكاتب من خلال مجموعته إلى ابتكار آليات جديدة للكتابة، نابعة من قدرته على تجاوز الواقع إلى فضاءات وأخيلة أرحب، تعبيرًا عما يريد إيصاله إلى قرائه. ففي “استراتيجية التجريب في رماد بطعم الحداد” بقلم الدكتور محمد سعيد البقالي، يشير إلى أن التجريب ليس عملية آلية غير وظيفية، بل دليل على نضج فني ونزوع نحو تطوير آليات الكتابة والإبداع المتجددين، حيث تترك محاولات التجريب باب الاجتهاد مفتوحًا أمام مساءلة الكتابة القصصية من الداخل.
تجريب متوازن وتدريجي:
في هذه المجموعة، كان التجريب تدريجيًا وبحدود معقولة، حيث بقيت الحكاية حاضرة دون تدميرها، ولم يسع القاص إلى التغاضي عن الواقع وتعريته. يؤكد المبدع من خلال “سيلفي” انخراطه الواعي في منطق التجريب، وهو ما يتجلى من العنوان ويستمر في باقي القصص. التجريب لدى لكليتي لا يعني نسف القواعد البنائية للقصة القصيرة، بل تنويعات ذات منطق خاص يحكم الإبداع كله. ومن بين الأليات التي اعتمدها لكليتي في كتابة قصصه ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسية والنفسية، نجد تعدد الأصوات، وتعدد وجهات النظر للموضوع الواحد، وتشتيت الحكاية، وتنويع الضمائر حيث نجد توظيفه لضمير الغائب مرة وضمير المخاطب مرات، وضمير المتكلم أحيانا، وقد نجد هذا التعدد في القصة الواحدة.
البحث عن أشكال تعبيرية جديدة:
المجموعة تعبر عن بحث مستمر عن أشكال تعبيرية جديدة، حيث تتجلى هذه الروح التجريبية في قصة “عبلة”، التي تعتمد على تقنية السؤال والجواب لبلوغ الحقيقة. في العمق، تتجسد شخصية شهرزاد التي تصوغ حكاياتها بطريقة مقطرة لتحقيق الاستمرار. تقوم عبلة بسرد قصة تكون جزءًا منها، مما يجعل السرد يمر عبر مصفاتها، وإن كان هناك قوة عليا تراقبها وتصحح حكيها.
مطالب العقل والخيال:
يطلب القارئ الرابط المنطقي والسببي بين أحداث القصة وترتيب الزمن بشكل منطقي، ولكن الكاتب يلزم بتلبية حاجات الخيال أيضًا. الكاتب لا يستخدم في كثير من القصص ترتيبًا زمنيًا متسلسلًا للأحداث، وهو ما لا يسهل على القارئ متابعة تطور القصة وتفاعل الشخصيات، الأمر الذي يحتم عليه التنبه والوعي بالقصة وكيفية بنائها ، ويعيد قراءتها مرات ليقبض على الخيط الناظم الذي يمكنه من إعادة بناء القصة من جديد، وهو دور إيجابي ومنتج ولا شك، ويعد من بين اهداف الكتابة الجديدة.
لنتوقف عند بعض القصص لحليلها قصد تبيان أبعادها الفنية والجمالية:
1 _
قصة “على مبسم سيجارة شقراء أحمر شفاه” تقدم نموذجًا للتجديد المتوازن، حيث تبقى الحكاية حاضرة لكنها تعتمد على تقنية تداخل زمني بين الماضي البعيد والقريب والحاضر المستمر. السرد يتم بضميرين: المخاطب والمتكلم، مما يضفي تنوعًا على وجهات النظر ويعزز من عمق القصة. النهاية تأتي كصدمة تخالف توقعات القارئ، مما يضيف عنصر التشويق والإثارة.
تظهر القصة تحول الشخصية الرئيسية من الوداعة إلى الشراسة نتيجة دروس الواقع المرير. تعرضت البطلة للاغتصاب منذ صغرها، مما دفعها إلى الانتقام من الرجال، وكان من بينهم منقذها من السرقة. هذا التحول يظهر بوضوح من خلال تغيير اسمها أثناء تحولها الاضطراري، مما يشي بالنهاية الصادمة. ففاتي، التي كانت فريسة، تقرر أن تصبح مفترسة.
تقول البطلة: “من فاطمة الساذجة الحانية الرأس الطيعة، إلى ‘فاتي’ اللعوب اللبؤة الباحثة عن فرائسها؛ كرهت أن أبقى ضعيفة، وصممت أن أصمد وأكون قوية؛ لست مسؤولة عن عهري؛ هم عهروني؛ وسأقاومهم وأحطمهم بعهري.” هذه الكلمات تعكس التحول الجذري في شخصيتها، حيث تتحول من ضحية إلى مهاجمة، وتستخدم قوتها الجديدة للانتقام من الذين أذوها، بما في ذلك منقذها.
القصة تعتمد على تداخل الأزمنة لتقديم سرد معقد ومتشابك، مما يعكس تعقيد التجارب الإنسانية وتأثيرها على النفس البشرية. استخدام ضميري المخاطب والمتكلم يضيف بعدا إضافيا للسرد، حيث يمكن للقارئ أن يشعر بتجارب الشخصية من منظورين مختلفين. النهاية الصادمة تعزز من تأثير القصة وتجعلها تترك أثرا عميقا في ذهن القارئ.
من خلال هذه القصة، يعكس الكاتب ببراعة كيف يمكن للظروف القاسية أن تحول الشخصيات وتغير مسار حياتها. التجديد في السرد والتقنيات المستخدمة يضيفان عمقا وتعقيدا للقصة، مما يجعلها تجربة قراءة مميزة ومؤثرة.
2 _
في قصة “رجل ركيك وامرأة ركيكة”، يلفت العنوان الغريب انتباهنا إلى علاقة الزوجين الركيكة. القصة تبنى من خلال لسانين؛ لسان الزوج ولسان الزوجة، مما يتيح لنا فرصة لرصد العلاقة المتوترة بينهما حيث يُبرز كل منهما عيوب الآخر، مما يوحي باحتمالية نهاية مأساوية. مع ذلك، تسلك القصة مسارا غير متوقع حيث يتحد الزوجان في النهاية، معبرين عن رغبة مشتركة في اقتناص خنان مفقود كان بلسما لجراح علاقة متوترة.
تنمو القصة من خلال وجهتي نظر متباينتين، مما يضفي عليها طابعًا تجريبيًا ومبتكرًا. يعبر الزوج والزوجة عن تجاربهما وانطباعاتهما بشكل منفصل، مما يجعل القارئ يشهد على الصراعات الداخلية والخارجية لكل منهما. هذا التنوع في السرد يضيف عمقًا وتعقيدا إلى العلاقة، حيث تتكشف الأحداث ببطء لتكشف عن جوهر المشاكل والتوترات.
على الرغم من التوترات الواضحة بين الزوجين، تأتي النهاية كمفاجأة حيث يتحدان في سعيهما للبحث عن السعادة والراحة. تعكس هذه الوحدة النهائية تحولًا في العلاقة، حيث يتجاوز الزوجان خلافاتهما ويجدان طريقًا مشتركا للتواصل والانصهار.
تتحول القصة إلى سمفونية متكاملة تعزف بمقامين مختلفين، لتنتهي بمقام واحد يعبر عن انصهار الذاتين في تناغم ممتع. يجسد هذا التطور قدرة الزوجين على التغلب على خلافاتهما والوصول إلى تفاهم أعمق، مما يعزز الأمل في إمكانية تحقيق الانسجام في العلاقات الإنسانية حتى بعد الفترات العصيبة.
من خلال هذا السرد، يقدم الكاتب رؤية عميقة للعلاقات الزوجية، مسلطًا الضوء على التحديات التي تواجه الأزواج وكيفية التغلب عليها من خلال التواصل والتفاهم. يجمع بين التجريب في الأسلوب والسرد المتوازن ليخلق تجربة قراءة مميزة تثري فهم القارئ لأعماق النفس البشرية.
3_
في قصة “سيلفي”، التي أعطت اسمها للمجموعة، نجد طرفين يتوليان بناء القصة بشكل مشابه للقصة السابقة. إلا أن هذين الطرفين قد فرقتهما ظروف الحياة، وبخاصة موت والد الحبيبة، مما أدى إلى انقطاع التواصل بينهما. تشاء الأقدار أن يلتقيا مجددًا في قاعة انتظار عيادة الطبيب، ليعود السرد بالذاكرة إلى العلاقة التي جمعتهما في الماضي، وكيف انتهت بفراق أليم.
يستخدم الكاتب تقنية الاسترجاع لتقديم تفاصيل العلاقة بين الطرفين، بدءًا من لحظات الحب والسعادة التي عاشوها، وصولًا إلى الفراق المؤلم الذي فرضته الظروف القاسية. هذا اللقاء المفاجئ في العيادة يمنح الطرفين لحظات قصيرة من السعادة المستعادة، إلا أن هذه السعادة لم تدم طويلا إذ يعقبها فراق آخر.
تظهر القصة توازيا بين البناء والمحتوى، حيث يستخدم التجديد بأسلوب مدروس لكي لا يضعف الجانب الدلالي الذي يتجلى في نقد الظلم الاجتماعي الذي لحق بأسرة الحبيبة وما ترتب على ذلك من أحداث أدت إلى تباعد الحبيبين. الكاتب يبرز بوضوح كيف يمكن للظروف القاسية والتغيرات الحياتية أن تمزق العلاقات الإنسانية، حتى في ظل محاولات إعادة إحياء الأمل والسعادة.
من خلال هذه القصة، يعكس الكاتب ببراعة معاناة الشخصيات وصراعاتها الداخلية، مقدما نقدا اجتماعيا حول الظلم وتأثيراته على الأفراد والعلاقات. ويظهر كيف أن الحياة تحمل في طياتها مفاجآت قد تكون سعيدة أحيانا، لكنها غالبا ما تأتي محملة بالتحديات والفراق.
على سبيل الختم:
تتميز مجموعة “سيلفي” بطابعها التجريبي الذي ينأى بها عن التقليدية، حيث يسعى الكاتب من خلالها إلى خلق شكل فني جديد يستوعب تعقيدات الواقع المعاصر وقضاياه الملحة. تتلاعب القصص بالزمن والحكاية، وتكسر النمطية في بناء الأحداث والشخصيات، مما يشرك القارئ في عملية القراءة ويدعوه إلى التفكير والتأمل في المعاني المتعددة للنص. عبر لغته الشاعرية وأسلوبه المبتكر، ينجح لكليتي في خلق فضاءات تخيلية واسعة تتجاوز الواقع وتفتح آفاقا جديدة للتعبير الإبداعي.
الهوامش
تمت الاستفادة من: استراتيجية التجريب في “رماد بطعم الحداد” بقلم الدكتور محمد سعيد البقالي، مقالة ضمن عمل جماعي بعنوان: “مصطفى يعلى أديب ليس أيقونة. مطبعة سليكي أخوين. الطبعة الأولى سنة 2023. ص 11.
التعليقات مغلقة.