بين القرار الإداري والجدل السياسي: تحقيق يسلط الضوء على ملفين عقاريين بمراكش

0

الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة

في سياق سياسي وإداري يتسم بتزايد النقاش العمومي حول الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فجر تحقيق صحفي نقاشا واسعا بعد تسليطه الضوء على ملفين عقاريين منفصلين بمدينة مراكش، يرتبطان بشخصيات سياسية بارزة، ويهمان قطاعا بالغ الحساسية هو التعمير وتدبير المجال الترابي.

ويضع التحقيق هذين الملفين في قلب النقاش العمومي، ليس فقط من زاوية المعطيات التقنية أو القانونية، ولكن أيضا من زاوية الأسئلة الكبرى المرتبطة بالحكامة، وتدبير القرار العمومي، ومدى احترام قواعد الشفافية وتفادي تضارب المصالح، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمسؤولين يتولون مواقع حساسة داخل الحكومة أو داخل تدبير الشأن الحزبي والسياسي.

ملفان في قلب عمالة مراكش

يتعلق الملف الأول، وفق ما أورده التحقيق، بعقار ينسب إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، بينما يهم الملف الثاني عقارا يرتبط بالمنسقة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري. ويشير التحقيق إلى أن العقارين يوجدان ضمن نفوذ ترابي تابع لعمالة مراكش، وأنهما عرفا، وفق الرواية المنشورة، تحولات مرتبطة بوثائق التعمير وتخطيط المجال.

ويركز التحقيق على كون الملفين يطرحان تساؤلات حول مسارات إدارية متعلقة بإعادة تصنيف أراض، بعضها كان مصنفا في الأصل كأراض فلاحية، قبل أن يتم إدخال تغييرات على وضعيتها العمرانية، بما يتيح إمكانيات جديدة للبناء أو الاستثمار العقاري. وهي معطيات يعتبرها التحقيق مدخلاً لفهم أوسع لطريقة تدبير ملفات التعمير في سياق حضري يعرف ضغطا عمرانيا متزايدا.

التعمير بين القرار الإداري والجدل العمومي

تعد ملفات التعمير في المغرب من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا، نظرا لتداخل عدة مستويات فيها، من بينها الجماعات الترابية، الوكالات الحضرية، المصالح المركزية، إضافة إلى سلطات الوصاية. ويشير التحقيق إلى أن التحولات التي عرفتها بعض العقارات موضوع البحث تمت في سياقات مرتبطة بمراجعة تصاميم التهيئة أو بإجراءات إعادة تهيئة مجالية.

وفي هذا السياق، يثير التحقيق نقاشا حول مدى احترام المساطر القانونية المنظمة للتعمير، خاصة في ما يتعلق بمبدأ المساواة بين المواطنين أمام المعلومة والفرص، وبمدى ضمان عدم توظيف المواقع والمسؤوليات العمومية لتحقيق امتيازات خاصة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

سؤال تضارب المصالح والحكامة

أحد المحاور الأساسية التي يثيرها التحقيق يتمثل في سؤال تضارب المصالح، وهو مفهوم يرتبط بمدى إمكانية الجمع بين موقع المسؤولية العمومية والاستفادة المحتملة من القرارات المرتبطة بالقطاع الذي يتم الإشراف عليه أو التأثير فيه.

ويطرح التحقيق، بشكل غير مباشر، سؤالا إشكاليا: كيف يمكن ضمان الحياد التام في اتخاذ قرارات التعمير عندما يكون الفاعل السياسي أو الحكومي مرتبطا، بشكل مباشر أو غير مباشر، بمشاريع عقارية داخل نفس المجال الترابي الذي يشرف عليه؟.

هذا السؤال، وإن كان مطروحا على المستوى النظري منذ سنوات في النقاش العمومي المغربي، إلا أنه يعود بقوة مع هذه المعطيات، التي أعادت فتح النقاش حول الحاجة إلى مزيد من آليات الرقابة والتتبع، سواء على المستوى الإداري أو السياسي.

البعد الحزبي والسياسي

لا يقتصر النقاش الذي أثاره التحقيق على البعد الإداري أو التقني فقط، بل يمتد أيضا إلى البعد الحزبي والسياسي، خاصة وأن أحد الأسماء المرتبطة بالملف يشغل موقعا قياديا داخل حزب سياسي رئيسي.

ويشير التحقيق إلى مفارقات تتعلق بتطبيق مواثيق الأخلاقيات داخل الأحزاب السياسية، ومدى تفعيلها بشكل متساو في مختلف الحالات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقيادات بارزة. ويستحضر في هذا السياق تجارب سابقة داخل المشهد الحزبي المغربي، حيث تم اتخاذ قرارات تأديبية أو تنظيمية في ملفات اعتبرت أقل تعقيدا من حيث طبيعتها أو ارتباطها المباشر بتدبير الشأن العام.

هذه المقارنات، التي يوردها التحقيق في سياق تحليلي، تفتح النقاش حول مدى اتساق المعايير داخل التنظيمات الحزبية، وحول ما إذا كانت قواعد الأخلاقيات تطبق بشكل موحد، أم أنها تخضع أحيانا لحسابات سياسية داخلية.

اللجوء إلى القضاء وتفاعل الرأي العام

يشير التحقيق أيضا إلى أن أحد الأطراف المعنية اختار اللجوء إلى القضاء، وهو حق قانوني مكفول بموجب الدستور والقوانين الجاري بها العمل. غير أن هذا التطور يضيف، وفق متابعين، بعدا جديدا للنقاش، حيث ينتقل الملف من فضاء الإعلام والنقاش العمومي إلى فضاء القضاء، باعتباره الجهة المخولة للفصل في مدى صحة أو عدم صحة الادعاءات المطروحة.

وفي المقابل، يظل الرأي العام متابعا لتفاصيل الملف، في انتظار ما ستسفر عنه المساطر القانونية أو التوضيحات الرسمية المحتملة، خاصة في ظل حساسية المواضيع المرتبطة بالعقار والتعمير، والتي غالبا ما تثير اهتماما واسعا لدى المواطنين، نظرا لارتباطها المباشر بالثروة المجالية والاقتصادية.

سياق عام: نقاش متجدد حول الشفافية

تأتي هذه القضية في سياق أوسع يعرفه المغرب، يتمثل في تزايد النقاش حول الحكامة الجيدة، ومحاربة تضارب المصالح، وتعزيز الشفافية في تدبير الشأن العام. وهو نقاش تغذيه تقارير صحفية، ونقاشات برلمانية، وتوجهات رسمية تؤكد في أكثر من مناسبة على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبينما يظل القضاء والمؤسسات الرقابية هي الجهة المخولة للحسم في أي شبهات أو اتهامات، فإن مثل هذه الملفات تساهم في إعادة طرح أسئلة جوهرية حول كيفية تدبير المجال الترابي، وضمان الثقة بين المواطن والمؤسسات، وترسيخ قواعد الشفافية والنزاهة في العمل العمومي.

في النهاية، يبقى هذا الملف مفتوحا على عدة احتمالات، في انتظار ما ستكشفه التطورات القانونية والمؤسساتية، وما إذا كان سيفتح الباب أمام نقاش أوسع حول إصلاح منظومة التعمير والحكامة الترابية بالمغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.