الانتفاضة // الاستاذ // محمد عبيد
ذات مرة، فتح معي جالسني صديق أعرف معزتي عنده وتقديره لي، وفتح معي نقاشا وديا عن رحلتي مع الكتابة الصحفية، واستفسرني عن وضعيتي المهنية (ولو مجازا لمعرفته بأني لست صحفيا مهنيا بقدر ما أني مُتَيَّم وهاوي للصحافة والإعلام!)… لينطلق في معرض الحديث بجملة لخص فيها نظرته إلي وإلى وضعي الصحفي والإعلامي، حين قال:
“إن كتاباتك بقدرما ترسم لك علاقات متميزة مع القراء إلا أنها قد تحرج أحيانا أكثر من شخص متتبع لها، كون عدد منها تحتوي على مواقف لا ترضي الكثير سواء منهم المتتبعين المتربصين بزلاتك أو من بعض المسؤولين لأسباب غامضة خوفا من الصحافة لتقف على حقيقة شخوصهم وكايشوفوها بحال {بوعو}!؟.. واعتقادا منهم أن التواصل مع الصحافة هو اندحار وانتحار لمساراتهم المهنية أو الوظيفية!… متجاهلين أن التواصل الإعلامي أساسا كل نجاح في أية مهمة او مسؤولية، إذ يقربهم أكثر للوقوف على ما يمكنهم به تصحيح مساراتهم أو الاستعانة بما قد يثار تجاه مهامهم من إشارات تلفت الانتباه أو ملاحظة لخدمة مهمتهم والرقي بها، وبالتالي خدمة البلاد والعباد كما هي منصوص عليها في مهامهم الوظيفية!”..
أجبت مُجالسي: “الكتابة قدري الذي لا يمكن أن أكون بدونها، هي مملكتي التي أمارس فيها طقوسي وأكسر بها تلك الحواجز النفسية التي تجعل الكثيرين يرون أن [السكات خير].
الكتابة ليست نرجسية، ولكنها تقدير لذاتي، واختيار أمارسه بقناعة، لا يهم أن ينظر إلي المسؤولون أني أحرجهم أو أخلق تعارضا بين كتاباتي، ومهامي المفترض أنني مؤهل لتحملها.
عبر مساري الإعلامي كهاوي ومتعاون لما يفوق الثلاثة عقود والنصف إلى اليوم، بنيت هذا المسار على قناعات متشبعة بميثاق أخلاق المهنة الصحفية أكثر من الكثير من البعض المكونين أكاديميا… وكونت شخصيتي الإعلامية التي فرضت بكل تواضع مكانتها إن محليا أو جهويا أو وطنيا (بعض كتابتها شاع دوليا)، رغم الإجحاف الذي تعرضت له من قبل البعض من الجسم الصحفي الوطني قبل غيرهم من الجهات المسؤولة، أو حتى من بعض الممتعضين من مساري الإعلامي الذين ما فتئ بعضهم يتربص بخطواتي ويجتهد في أن تزِلّ أو يريد لها أن تزِلّ لاعتبارات ضيقة، إما أن تخضع لنزواتهم الإيديولوجية أو أني ضد الإيديولوجيات عامة، وخاصة إيديولوجياتهم (إن السياسية أو الطائشة التي لا تؤمن بالانتفاح على مختلف الواجهات والجهات! إلا للخانعين لها ولمطأطئي رؤوسهم لها ولإملاءاتها ولو الهيجاء!)… فيما يرى آخرون أن ما أقوم به هو مبادرة لمزاحمتهم ولمواقعهم.
إن قناعتي وإيماني بديموقراطية الرأي مع تزايد تجربتي في المجال، تزيدني قناعة أكثر وإلماما بالقطاع الذي أمارس فيه مهمتي ولو ك”هواي” فيه، مادمت لا ولن أحصل على اعتراف رسمي من الجهة المسؤولة عن القطاع الصحفي الوطني إن مجلسا أو مؤسسة حكومية (لاعتبارات تعقيدية أولا، وثانيا لعدم وجود علاقة حميمية تربطني ببعض القائمين عن تدبير وشؤون هذا القطاع خاصة على مستوى المجلس الوطني للصحافة الذي اقولها عن هذا الأخير مرة أخرى وبقناعة وبكل تأكيد وبدلائل ملموسة ليس افتراء أو هلوسة: كايفرق بعض الاعتمادات والبطاقة المهنية ليس حسب الكفاءة والتواجد في الميدان؟!!.. بل تعداه إلى تسليمها لمن لا وجود لهم أصلا عمليا وحضوريا في الميدان الصحفي؟!!!)!…
لكن الحمد لله أنه منحني فضاء مستقلا أمارس فيه مهمتي كفاعل في “صحافة وإعلام الموطنة” بشكل أوسع وأكثر إشعاعا بعيدا عن القيود والإكراهات والضغوط الأكاديمية.. وبكل اتزان ومسؤولية ومصداقية تلقى صداها لدى الألباب من القراء والمتتبعين وكذلك من المحترمين لمسؤولياتهم ولمهامهم من عدة جهات أخرى.
والحمد لله أيضا تتعدد المنافذ الإعلامية الحرة، (وهو ما يميز وطني المغرب)، هذا التعدد في نفس الوقت يمكن اعتباره علامة على الاستقرار الإعلامي كهاوي أكسب من خلاله نضجا اكثر مما لو كنت إعلاميا مهنيا همه الراتب الشهري والتقاعس في الرقي بالمجال الصحفي خنوعا لبعض الجهات!”.
وهنا افتح قوسا أراه في غاية الأهمية، إذا كانت الكتابة قدري رغم ما يمكن أن تخلقه من ازعاج للغير، فإن ثَمّة موضوع لا مساومة فيه لأنه أيضا هو قدري وقناعاتي ومساري…. صرت مدمنا على الكتابة بمختلف أجناسها وأنماطها وأنواعها إن الإعلامية أو الإبداعية… هي متنفسي، هي حياتي الباقية، لا يمكنني أن أتوقف مهما جاهدتُ حتى مع نفسي لكسر قلمي!… وليس إرضاء لأي أحد!… لن أستطيع أن أتوقف عن الكتابة لأنني سأخسر نفسي، وهذا أسميه اندحارا أو انتحارا..
التعليقات مغلقة.