تهافت تهافت التهافت…سرطان العبثية بالكلمة!

الانتفاضة // الاستاذ // محمد عبيد

جوابا على العنوان المقصود و بالمختصر المفيد:
“تماطل أحدهم في تسديد ما بذمته لتاجر كحوليات بدون ترخيص كان يقرضه المادة، فقال التاجر:”واحتى لقدام الله ونتخلص منك”، فأجابه الزبون:”إلا كنتي راجل جبد هاد لكلام قدامو؟”.
هذا لسان حال البعض، يجاملون بوجه وينافقون بوجه آخر…أو يدقون على الأبواب بشكل مستفز، ولما تنفتح لمساءلتهم عن مضمون أو مفهوم صريح لموضوع طرقهم الباب وما السبب؟…يختشون أو يختفون، وإما يجتهدون في تأويل المضمون وتنميق الشكل؟!!…حين تصعب عليهم المواجهة والجرأة في الكشف عن كينونة نفوسهم؟!..
حين على سبيل المثال يقوم أحدهم بنشر خبر زائف وبكل غرابة يصادف التصفيق الزائد له من العقول الطائشة، “وإن لم أقل المنافقة بعضها كما تمت ملاحظته على عدد من التغريدات والتعاليق!…أصحاب دوبل فاص؟! “هو ما أدى إلى الجدل بشأنه…
سأحاول في هذه الإشارة أن أوضح بعض النقط التي قد تكون لم تتضح في إشارات سابقة السابق، وأرد فيها على بعض التعليقات والمقالات التي استتبعتها إشاراتي، وإن كنت من غير المحبذين للقول والقول المضاد، فقديما كتب الغزالي:”تهافت الفلاسفة”، ورد عليه ابن رشد:”بتهافت التهافت”.. وقال الغزالي عزمت أن أكتب “تهافت تهافت التهافت”ولكني أقلعت على ذلك، وسوف، لن أكون كالغزالي فأقلع ولكن سأكتب.
فلقد سبق وأن أشرت في اكثر من مناسبة على أن هناك من يعشقون الكتابة بشكل عبثي مقيث، ونشر الميوعة الصحفية والسفالة الإعلامية…وبالخصوص في أيامنا الأخيرة هاته مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي المتحدة بإفساد جو العمل الصحفي او الإعلامي المسؤول، حيث أن التفاهة أصبحت أسلوبا معيشيا يقصد منه تحقيق هدف ادعاء الانتماء للجسم الصحفي بارتفاع نسب المتابعة أو المشاهدة المباشرة وغير المباشرة دون رقيب ولا حسيب؟!…
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ذلك الخصاص والاحتياج النفسي والشعوري لدى المتابعين!.
إنه لمن المؤشرات التي تدل على حيوية الأمة وانتعاشها تفاعلها مع الأحداث التي تقع، وليس بالضرورة أن يكون الرأي واحدا في تفاعلنا مع هذا الحدث أو ذاك؟…المهم أن يكون التفاعل واتخاذ المواقف بناء على حقائق وإيمانا بالمواقف، وليس بناء على الزمالة والأخوة والشخصنة.
فلقد حذرت في سابق إشارات من انسياق الناس إليها بشكل هوسي يتبعون كل ناعق مارق، ومتسلط على الإعلام والصحافة، أو مستغل للفضاء المفتوح لمن هب ودب عبر نوافذ السوشيال ميديا…هذه الأخيرة التي هدفها حرية الرأي والتعبير وبشكل منتظم وموضوعي…لكن البعض زاغ عن الغرض وشوه ديمقراطية الراي، وخاصة الرأي العقلاني السليم…
للأسف يتهافت البعض من المتابعين سواء العاديين أو الذين يمكن أن نصنفهم ضمن الموضوعين رهن التصفيق والإعجاب بتلك الانزلاقات الكتابية مساهمين في تكريس نشرات التكليخ أحيانا، ونشرات الميوعة والسفالة أحيانا أخرى! إما عن جهل أو عن عمد في محاولات يائسة للضرب في مصداقية النشرات المسؤولة؟!!.. بإفساد أخلاق المتابعين وإلهائهم ونشر أخبار أو تغريدات مزاجية أو افترائية أو أقل مما يمكن وصفها بالافتراضية تساهم في الانحراف السلوكي بشكل ملتوي..
وكما قال أحدهم :”إن الناس تبحث في طبيعتها عمن يضحكهم أو يتماشى وعقلياتهم الضيفة حتى وإن كذب عليهم أو استهزأ بمشاعرهم، لا على من يوجههم وينبههم ويعلمهم!”
ومن هنا نستنتج، أن ما أتحدث عنه ليس بأمر جديد أو حديث، علما أن التفاهة هي مؤثر قوي ولها جادبية صعبة المراس والمقاومة، وبالخصوص في أيامنا الأخيرة هاته مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي المتحدة، وقد عرفت تطورا سريعا ومائعا بشكل واضح.
إن السرعة التي عرفتها مواقع التواصل الاجتماعي في نشر التفاهة والعبثية المائعة هو ما يثير الجدل والاستغراب بشكل حاد وجاد يجعلنا نستخلص خلاصة واحدة هي أن الفساد الاجتماعي بنشر التفاهة هو سلاح فتاك وفعال، وكذلك خطير جدا لدرجة أن من استهواه لا يستطيع أن يقاومه أو يسايره إلا إذا وجد من يرشده ويأخذ بيده بالتحصين، وتقوية المناعة البشرية وتطوير مهارات التفكير والتمييز بين الخطأ والصواب، وبين الجدية الهادفة والتفاهة المقيتة، وليس بالمنع المفروض والرفض الممنوع؟!…أو حتى بالنقد الجارح الفاضح دون طرح البدائل.
فنحن نعلم جيدا أن “كل مفروض مرفوض وأن كل ممنوع مرغوب” .
لهذا فالبحث عن البدائل الإيجابية والفعالة المضادة لسرطان العبثية المائعة والميوعة العابثة هو ذلك السلاح المضاد لها عن طريق الكتابة القيمة، والنشر الصحيح، والصدق في التعبير، والتقديم المنضبط والمضبوط للمعلومة، والتنظيم الجميل والمفيد والقدرة على الإقناع والتواصل الجذاب والمميز للمتابعين… غير أنه كل الناس ليسوا على نفس المستوى المعرفي والإدراكي حتى تصير لهذه الكتابات شعبية وإقبالا عليها وقبولا لها… وذلك بسبب الجهل السائد على مواقع التواصل الاجتماعي المتحررة فوق اللزوم لدرجة قصوى من العبثية المائعة.
فهذه الكتابات إذا ما اردنا أن تكون فعالة وقوية في وجه التافهين وحاملي شموع التفاهة والمياعة العابثة، وجب علينا توجيهها لمن يمتلكون براءة القلوب وجمال الأرواح فى زمن عزت فيه المشاعر والعواطف، حتى تعي جيدا دورها الريادي الخالص في محاربة ظاهرة التسفيه الممنهج والتمييع الصارخ الموجه ضد الإعلام والصحافة بشكل خاص والإنسانية بشكل عام، فتحمي بذلك كل القلوب الطيبة الصافية التي تثمر حبآ وتعطي الأمل في الحياة لمن طبعهم حب الخير والشموخ، ولمن يملكون جمال الروح وصفاء النية، وتعرف قلوبهم نبل الوفاء والاخلاص والتمييز بين الحق والباطل…
وكذلك تعي في الأخير هو أنه “ظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا” (صدق الله العظيم).

التعليقات مغلقة.