الانتفاضة // كوتر الداوودي // صحفية متدربة
تقول بيانات بنك المغرب أن النقد المتداول في المغرب وصل في العام الماضي إلى 393 مليار درهم، أي بزيادة بنسبة 11 في المائة مقارنة مع السنوات الماضية، و يتوقع البنك ارتفاعا أكبر في حجم النقد المتداول، ليرفع معه حاجة البنك إلى السيولة النقدية لتنتقل من 111.4 مليار درهم سنة 2023 إلى 121.1 مليار بنهاية سنة الجارية ومن ثمة إلى 143.2 مليار درهم مع نهاية سنة 2025.
أرقام بنك المغرب هذه، تؤكد أن المغاربة لا يزالون يفضلون التعامل بالنقود وتجنب استخدام وسائل الأداء الإلكترونية، و هو ما يخلق تحديا اقتصاديا متمثلا في تهديد تمويل المشاريع الكبرى في البلاد بالمغرب، و يحرم البنوك من الموارد المالية، حيث تجد البنوك نفسها غير قادرة على تلبية حاجياتها وتمويل الاقتصاد بالاعتماد على الودائع فقط، مما يدفعها إلى الاتجاه نحو الاستدانة من بنك المغرب.
إن استمرار المغاربة في التداول النقدي، أصبح يقلق بنك المغرب الذي يرى أن الامر أصبح غير مقبول، خصوصا مع الاتجاه العالمي نحو الاستغناء الكلي عن النقد، و الدفع عن طريق البطائق البنكية و كذلك الأداء عبر الهواتف، و بسبب التداول النقدي وصل عجز السيولة البنكية إلى أكثر من 100 مليار درهم، و هو يضع الاقتصاد المغربية وضعية خطيرة .
يرى خبراء اقتصاديون أن الاسباب الاولى وراء استمرار تداول الكاش خارج البنوك هي اسباب ثقافية و ثقافية محضة، و تتمثل في عادات المغاربة، فالمال في المفهوم الثقافي مرتبط بتواجده المادي، أي الاوراق النقدية، و التعامل معه يتم بشكل مباشر، كدفع النقد في عمليات البيع و الشراء، في إعطاءه نقدا كهدايا في المناسبات الخاصة كالزواج و الولادة، و الأخطر من ذلك، لا تزال الكثير من المقاولات و الشركات الصغرى و المتوسطة تدفع رواتب الموظفين نقدا.
إن المغاربة و في عز التطور الكبير في التكنولوجيا و تنوع عروض و خدمات الأبناك في ما يخص الادخار و تجميد المال، لا يزالون يحتفظون بعادة الاكتناز، عن طريق الاحتفاظ بالأوراق المالية في البيوت بغرض اكتنازها، و توصل دراسة قام بها بنك المغرب عن طريق جرد النقود المتداولة حسب الفئة أن 75 بالمائة من النقود المتداولة هي من فئة 200 درهم، أي الموجهة للاكتناز، و يقدر عدد النقد الذي يكنزه المغاربة إلى 400 مليار درهم حسب المعطيات التي توصل لها بنك المغرب.
ومن أسباب ارتفاع هذه الظاهرة الاقتصادية، نجد انعدام ثقة المغاربة في وسائل الأداء عبر الأنترنت، إذ أن عدد الحسابات البنكية في المغرب لا تتجاوز 15 مليون حساب بنكي، أي أن فئة كبيرة لا تزال تفضل التعامل المباشر بدل الدفع عبر الانترنيت، و هو ما يفسر عدم توفرها على حسابات بنكية، و إلى جانب الثقة، هناك ارتفاع تكلفة الدفع عبر الانترنيت، كالاقتطاعات على الشراء أو الاداء.
انخفاض السيولة المالية بسبب التداول النقدي يعود كذلك إلى حجم الاقتصاد الغير مهيكل في المغرب الذي يتراوح بين 30 و40 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، و استعمال النقد في هذا القطاع هو وسيلة للتهرب من الضريبة كالضريبة على الدخل و الضريبة على القيمة المضافة، و يلحق القطاع الغير مهيكل أضرارا كبيرة بالاقتصاد الوطني نظرا لغياب إمكانية تتبع هذه العمليات و الاستفادة من عوائده.
وبالرغم من الجهود المبذولة لمحاصرة انتشار التعاملات النقدية، عن طريق طرح حلول للأداء الرقمي عبر الهاتف النقال، كخدمة“M-wallet” التي أطلقها بنك المغرب سنة 2018، لتسهيل تنفيذ العديد من العمليات الكترونيا إنها لم تُمكن من كبح التداول بالأوراق المالية.
و يرى الخبراء في مجال الاقتصاد، أن الوقت حان لفرض ضريبة على التعامل النقدي، لا سيما بعد خروج المغرب من اللائحة الرمادية لغسل الأموال وتمويل الإرهاب، حيث إن المعاملات المشبوهة تتخفى في الأداء النقدي الذي يصعُب تتبعه ومراقبته كما أشرنا سابقا، كذلك ضرورة تكثيف الحملات التحسيسية للرفع من الثقافة المالية للمغاربة.
التعليقات مغلقة.