أهداني صديقي وزميلي النقيب محمد الزرقتي العيادي كتابه: كراسة محام، الذي صدرت طبعته الأولى شهر شتنبر 2020 عن مطبعة سيلكي أخوين بطنجة العالية. وهو كتاب متوسط الحجم، يمتد فوق 330 صفحة.
ومن اللافت أن الكتاب هذا يحمل عنوان: كراسة محام؛ و الكُرَّاسَة أو الدفتر أو الكَشْكُولُ كتاب خالٍ من الكتابة يستخدم لتسجيل الملاحظات والمذكرات وللدراسة كذلك. ويشمل الكتابة والرسم، وأصل كلمة دفتر من اليونانية ومعناها جلد الحيوان الذي كان يستخدم في الكتابة.
يذكرنا عنوان هذا الكتاب ببعض مشاهير الكتب التي حملت عناوينها اسم الدفتر أو الكراسة، وأفكر هنا أساسا في كتاب المناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي: كراسات السجن أو دفاتر السجن حسب ترجمات أخرى. وقد أصر النقيب محمد الزرقتي على وسم كتابه بالكراسة كي يستبعد كل ادعاء علمي، ويكتفي بالمقاصد التربوية والغايات التعليمية التي تستهدف المحامين الشباب أساسا.
والواقع أن الكراسة تصلح فعلا للكتابة والرسم؛ وقد جاءتنا كراسة الزميل ذ. محمد الزرقتي كتابة ومرسومة، أي أنها ليست دفترا فارغا، وإنما كتاب ممتلئ؛ وهذا الكتاب في الواقع كتابان: أولهما وسيلته الحبر والكلمة، ويمتد من الصفحة 7 إلى الصفحة 268؛ ووسيلة ثانيهما: الصورة، ويمتد من الصفحة 269 إلى الصفحة 330. ويتضمن صورا تؤرخ لمناسبات ترتبط بتاريخ هيئة المحامين بطنجة من 1997 إلى 2017. ومثلما أن هذا القسم الثاني يؤرخ بالصور، فكذلك القسم الأول؛ إذ يؤرخ بالحبر والكلمات لتاريخ مهنتنا في واحدة من جهات الوطن: طنجة.
وربما أمكن إدراج هذه الكراسة ضمن ما تسميه بعض الكتابات: أدبيات الجائحة؛ إذ الباعث على تجميع متضمنات هذه الكراسة: جائحة كوفيد 19 وحالة “البطالة الفكرية والفراغ الممل”(ص 8) التي عاشها النقيب محمد الزرقتي مثلما عاشها جميع الناس فوق عموم الكرة الأرضية في سياق القلق الشامل الذي ترتب عن جائحة كوفيد 19. وبلغة أخرى، فسياق الجائحة والحجر الصحي كان حافزا على ابتعاث هذه الأوراق من مراقدها وتشذيبها ونشر ما تم انتقاؤه منها.
وهذه الكراسة تستهدف أساسا المحامين الشباب الذين يمكنهم أن يستخلصوا منها الكثير من التوجيهات والتجارب والمعرفة التي تهم أخلاقيات المهنة وقوانينها وأعرافها كذلك.
ويدل ذلك على أن هذه الكراسة ذات مقاصد تعليمية وتربوية فيما يهم قطاعا حيويا من قطاعات العدالة: المحاماة. ولن يفوت قارئ الكتاب أن يلاحظ أن موضوعات القسم الأول شديدة التنوع والغزارة ولا تخضع في تبويبها وتنظيمها لأي معيار زمني أو موضوعاتي؛ ومع ذلك، يمكن التمييز فيها بين أوراق تهم موضوعات عامة وأخرى هي عبارة عن كلمات أعدت أساسا كي تلقى في الافتتاح الرسمي لندوات التمرين ما بين 2008 و 2017؛ أو ككلمات في تأبين بعض الأساتذة والنقباء.
و من الواضح كذلك أن الأوراق ذات الموضوعات العامة موسومة كذلك بالتنوع؛ إذ تفكر في رهانات وتحديات ميناء طنجة الدولي كما تفكر في الدور المنوط بالمحامي فيما يهم استقلال السلطة القضائية؛ ومثلما تفكر في مشروع قانون المسطرة المدنية وأثر الصلح في الدعوى العمومية، فإنها تفكر في حقوق الإنسان وقضايا الهجرة السرية وحقوق العمال المهاجرين والإصلاحات الدستورية والانتقال الديمقراطي بالمغرب، وغيرها من الموضوعات التي استأثرت بالاهتمام في غضون العقود الثلاثة الأخيرة…
تلكم بعض الملاحظات الأولية التي عنت لي وأنا أتصفح كراسة النقيب محمد الزرقتي العيادي الذي أتحفنا بهذا المصنف الذي نحن في حاجة ماسة إلى أشباهه ونظائره، طالما يقدم لنا عصارة تجربة غنية في ممارسة مهنة النبل والشرف وفي تقلد مهام النقيب ضمن هيئة من هيئات المحامين. وهي تجربة مفيدة جدا للقادمين إلى مضمار العدالة عموما وإلى حقل المحاماة بصفة خاصة.
وأخيرا، أود من هذا المنبر أن أهنئ صديقي وزميلي ذ. النقيب محمد الزرقتي بهذا المولود الرمزي الذي يشكل بحق إضافة نوعية للرصيد الثقافي لعموم المغاربة، والمحامين خاصة.
التعليقات مغلقة.