بطاقة الإعاقة بالمغرب بين رهانات العدالة الاجتماعية وكلفة الاتزان الحكومي

في ضوء ورش الحماية الاجتماعية

0

الانتفاضة / حسن الفارسي

مدخل سياقي التلازم الدستوري بين الحماية الاجتماعية والعدالة الإدماجية
يشكل تعزيز ركائز الدولة الاجتماعية خياراً استراتيجياً للمملكة المغربية وهو ما يجد سنداً قانونياً متيناً في الوثيقة الدستورية ولا سيما الفصل 34 الذي يلزم السلطات العمومية بوضع وتفعيل سياسات موجهة للأشخاص في وضعية إعاقة وفي سياق الطفرة التشريعية التي تشهدها المنظومة القانونية الوطنية من خلال القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية تطرح مسألة تأخر إخراج بطاقة الشخص في وضعية إعاقة لأزيد من ثلاثة عقود تساؤلات جوهرية تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والتدبيرية والسؤال المطروح إلى متى ونحن نتأرجح بين الوعود وعقود الانتظار

أولاً الأبعاد السوسيواقتصادية والمؤسساتية لبطاقة الإعاقة
لا يمكن اختزال هذه البطاقة في أبعادها الإجرائية بل هي آلية استهداف مؤسساتية بالغة الأهمية لتحقيق الإنصاف وتتجلى فعاليتها في ثلاثة محاور رئيسية
* المقاربة المؤسساتية تمثل البطاقة المدخل الأساسي لتفعيل مقتضيات الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادق عليها المغرب فهي تنقل المستهدفين من منطق الرعاية والإحسان إلى منطق الحق والالتزام المؤسساتي
* المقاربة الاجتماعية تعد البطاقة حجر الصيرورة في بناء منظومة تقييم الإعاقة المرتكزة على التصنيف الدولي لعمل الوظائف والعجز والصحة والتابع لمنظمة الصحة العالمية والذي يضمن الانتقال نحو استهداف عادل وموضوعي يقطع مع العشوائية تماشياً مع فلسفة السجل الاجتماعي الموحد
* المقاربة الاقتصادية تتيح البطاقة تفعيل تدابير التمييز الإيجابي في سوق الشغل فضلاً عن تخفيف التكاليف غير المباشرة المرتبطة بالإعاقة عبر سلة من الامتيازات والخدمات التفضيلية مما يساهم في الحد من مؤشرات الفقر والهشاشة

 ثانياً تفكيك خلفيات التعثر بين إكراهات الموازنة ومشروع القانون التقني المدني والصحي
إن قراءة المسار الزمني الطويل الذي استغرقه خروج هذه البطاقة لحيز الوجود تكشف عن وجود تدافع بين الرغبة التشريعية والإكراهات التدبيرية على أرض الواقع
1 الهاجست المالي والالتزام الفعلي بالحقوق
إن خروج بطاقة إعاقة بامتيازات قانونية واضحة ومكفولة يترتب عليه ثقل مالي مباشر على ميزانية الدولة ومن ثَم فإن التريث الحكومي يمثل محاولة لتفادي إيجاد فجوة بين الالتزام النصي والقدرة التمويلية المستدامة وضمان الاتزان الحكومي المالي
2 مشروع القانون التقني المدني والصحي
يتطلب تفعيل البطاقة بناء نظام تقييم جديد يفصّل الجوانب الطبية والمدنية والاجتماعية للشخص في وضعية إعاقة هذا التحول يفرض الانتقال من المقاربة الطبية الصرفة التي كانت تقتصر على شهادة عجز كلاسيكية إلى مقاربة شمولية تتقاطع فيها الفحوصات الطبية مع الأبعاد المدنية والاجتماعية والبيئية لتحديد الحواجز التي تحول دون مشاركة الشخص في المجتمع وذلك اعتماداً على المعايير العلمية المعتمدة لدى منظمة الصحة العالمية وهي خطة قائمة يشتغل المغرب على تنزيلها إدارياً وتنسيقياً بين القطاعات المعنية

ثالثاً الواقع المعاش والمأمول المفارقة بين أسئلة النواب وأجوبة الحكومة وواقع الحال
لم يعد مشروع البطاقة وعوداً مرسلة بعد المصادقة على المرسوم رقم 2.22.1075 المتعلق بمنح بطاقة شخص في وضعية إعاقة غير أن رصد واقع التنزيل الإجرائي يكشف فجوة عميقة تظهر بوضوح عند تتبع المساءلة التشريعية داخل قبة البرلمان
فبينما تتمحور أسئلة النواب البرلمانيين حول الوعود الحكومية المتكررة والتأخر غير المبرر في إصدار وثيقة رسمية متكاملة تأتي أجوبة الحكومة دائماً محملة بالوعود حول قرب إطلاق المنظومة الشاملة وتجاوز العقبات التقنية لكن عند الاصطدام بواقع الحال نجد تصريح القراءة الفاحصة يؤكد أن الآليات التقنية التي تم إطلاقها لم تكن خطوة إجرائية لتفعيل بطاقة الإعاقة الأصلية بل هي تدابير ظرفية معزولة خُصصت حصرياً لتدبير اتفاقية قطاعية تمنح تخفيضات في أسعار تذاكر القطارات
والمفارقة الصارخة هنا أن هذا المسار الإداري لم يُنتج بطاقة الإعاقة الرسمية المنتظرة بل اعتمد على شهادة الإعاقة الكلاسيكية في تكريس واضح للأمر الواقع إن هذا التعامل المجزأ يطرح علامات استفهام مقلقة إذ قد يشكل الارتكان إلى منصات قطاعية وحلول ترقيعية نوعاً من الالتفاف غير المنطقي وعقبة إجرائية تساهم في إطالة أمد الجمود وتأجيل تحقيق الاتزان الحكومي والالتزام الشامل المستحق فالملف ما زال يراوح مكانه بين تدابير موضعية معزولة وبين غياب خطة تنفيذية واضحة وموحدة تخرج المراسيم من رفوف الانتظارية إلى أرض الواقع

خلاصة واستشراف
إن الرهان الحالي مرتبط بوجود خطوات تنفيذية حاسمة للتنزيل الفوري والموحد إن إخراج بطاقة الشخص في وضعية إعاقة إلى حيز الوجود الكلي يعد جزءاً لا يتجزأ من الأمن الاجتماعي والتنموي للمملكة ويتطلب أفق الإنفاذ الكامل المستقبلي التزاماً صارماً بـ:
1 تجاوز الحلول الترقيعية والمنصات القطاعية المعزولة وتفادي المسارات التي تشكل التفافاً على جوهر الملف مع الإفراج الفوري عن البطاقة الرسمية الشاملة المرتكزة على معايير منظمة الصحة العالمية
2 تكييف الموارد المالية المرصودة لورش الحماية الاجتماعية لضمان تغطية كلفة الحقوق المترتبة عن حيازة البطاقة دون الإخلال بمبدأ الاتزان الحكومي الموازناتي
3 قطع دابر البيروقراطية وتبسيط المساطر الإدارية للمرتفقين لتجنب تحويل المكتسب الاجتماعي إلى عبء مسطري إضافي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.