الانتفاضة / إلهام أوكادير
لم تبدأ قصة موجة العبور الجماعي التي شهدتها حدود مدينة سبتة المحتلة نهاية شهر يوليوز الماضي في اللحظة التي تحركت فيها أعداد كبيرة من الأشخاص وخاصة الشباب نحو المدينة، بل إن المؤشرات التي سبقت ذلك كانت، بحسب تحقيق لوكالة «رويترز» الدولية، قد وصلت في وقت مبكّر إلى الجهات الإسبانية المكلفة بمراقبة الحدود.
ففي الوقت الذي انشغل فيه النقاش بعد وقوع الأحداث بالبحث عن أسباب الأزمة والجهات المسؤولة عنها، كشفت معطيات جديدة أن أجهزة تعمل في الميدان كانت قد نبّهت، قبل أسابيع، إلى ارتفاع الضغط على حدود سبتة واحتمال تصاعد محاولات الوصول إليها، خاصة عبر البحر.
وبحسب تحقيق الوكالة ذاتها، فإن ممثلين عن عناصر حرس الحدود الإسباني، كانوا قد وجهوا عدة تنبيهات إلى الحكومة المركزية، بناء على مؤشرات رُصدت ميدانياً، من بينها ارتفاع محاولات العبور سباحة نحو المدينة المحتلة.
ولم تكن تلك التحذيرات مجرد ملاحظات عابرة، إذ أفادت «رويترز» بأن الأمر يتعلق بستة تنبيهات موثقة سبقت موجة العبور، تضمّنت أيضاً مخاوف من تأثير بعض المستجدات القضائية داخل إسبانيا، على تشجيع مزيد من الأشخاص على محاولة الوصول إلى سبتة.
وما دفعنا اليوم للوقوف عند هذا التقرير، هو أن تفاصيل معطياته، تنقل النقاش من مرحلة رد الفعل بعد وقوع الأزمة إلى مرحلة ما قبلها، أي مرحلة التوقع والاستعداد، فالأزمات الحدودية لا تبدأ عادة عند لحظة الانفجار، بل تسبقها في الغالب إشارات وتحركات ومؤشرات ترصدها الجهات الموجودة في الميدان.
ومن هذه الزاوية، يعيد تقرير «رويترز» طرح سؤال أساسي داخل إسبانيا، حول كيفية التعامل مع المعلومات التي تصل إلى المؤسسات المركزية، ومدى قدرة آليات الإنذار المبكر على التحوّل إلى إجراءات عملية قبل وصول الوضع إلى مرحلة يصعب التحكم فيها، اللهم إذا كانت هناك مقاصد أخرى لا نعلم عنها شيئا، وهو تساؤل شرعيّ قد نجابه عبره عين الصواب كما العكس، خاصة بعد صدور مثل كذا تقرير، أو مجرد الإرتكان للمّ شمل مختلف المعطيات والتحركات السياسية التي طبعت المنطقة في الفترة التي سبقت انفجار سبتة المحتلة، والتي تحيل على الخلاصة ذاتها (انفجار سبتة لم يكن مفاجأة لمدريد، بل ربما نتيجة لـ …).
لكننا نفضّل التزام الحياد وتغليب النوايا الحسنة والاشتغال من منطق ايجابي (سياسة الملوك)، في الوقت الذي كان فيه جزء من الخطاب الإعلامي بل والقضائي الإسباني، يركز على محاولة ربط المسؤولية بالمغرب وحده، متجاهلاً تعقيد الظاهرة وتشابك العوامل المرتبطة بها والمسؤولية المشتركة لكلا الطرفين على أقل تقدير.
غير أن ظهور معطيات تفيد بأن تحذيرات مسبقة كانت موجودة داخل المنظومة الإسبانية نفسها يضيف بعداً آخر للنقاش، يتعلق بمسؤولية كل طرف في حدود اختصاصاته، وبأهمية التعامل مع الملفات الحدودية بمنطق الاستباق والتنسيق بدل الاكتفاء برمي الاتهامات بعد وقوع الأزمة.
إضافة لما سبق، نقلت «رويترز» أن نقابات تمثل عناصر حرس الحدود الإسباني اعتبرت وبشكل واضح، أن الحكومة المركزية لم تتفاعل بالشكل الكافي مع التنبيهات التي تم توجيهها قبل الأحداث، بينما أكدت وزارة الداخلية الإسبانية أنها اتخذت التدابير اللازمة للتعامل مع الوضع وحماية الحدود.
أما على الجانب الآخر كما هو معروف، فقد عملت السلطات المغربية على تعزيز انتشارها الأمني على مستوى المناطق الحدودية، بغرض الحد من محاولات العبور غير النظامي الذي خرج عن السيطرة بعد فتح بوابة المعبر الرئيسي، وهو ملف يتطلب بطبيعته تعاوناً وتنسيقاً بين مختلف الدول المعنية، بالنظر إلى امتداداته الأمنية والإنسانية والقانونية.
وبين رواية الانتقادات الداخلية في إسبانيا ودفاع السلطات عن طريقة تدبيرها للأزمة، تبرز حقيقة أساسية مفادها: أن أحداث سبتة لم تكن تطوراً مفاجئاً بالكامل، بل سبقتها إشارات وتحذيرات كان التعامل معها عاملاً حاسماً في تحديد حجم التداعيات.
في نهاية المطاف، نخلص إلى أنّ معالجة ملف الهجرة غير النظامية المرتبط بحدود سبتة، تظل بحاجة إلى مقاربة واقعية تبتعد عن التوظيف السياسي، وتنظر إلى الوقائع كما هي: أزمة معقدة تتطلب يقظة أمنية، وتنسيقاً مؤسساتياً، ومسؤولية مشتركة بين مختلف الأطراف و “حسن النية والجوار إن وُجد”.