دفن جثامين ضحايا أحداث سبتة يفتح ملف المفقودين وحقوق الأسر

0

الانتفاضة/ فاطمة الزهراء صابر 

يتجدد النقاش حول مصير ضحايا أحداث العبور الجماعي إلى سبتة، بالتزامن مع استعداد السلطات في المدينة المحتلة لدفن عدد من الجثامين التي لم تحسم بعد هوية أصحابها، بينما تواصل أسر مغربية وإفريقية البحث عن أبنائها وذويها الذين انقطعت أخبارهم منذ أحداث 30 يوليوز الماضي. ولا تبدو عملية الدفن مجرد إجراء لتسوية وضعية الجثامين، إذ تثير تساؤلات متعلقة بحق العائلات في معرفة مصير أقاربها، وبمدى استكمال السلطات المعنية مختلف عمليات البحث والتحقق والتعرف على الهويات قبل الإقدام على هذه الخطوة.

وفي حال تعذر تحديد هوية بعض الجثامين، فإن ذلك لا يعني إغلاق الباب أمام التعرف عليها مستقبلا، خاصة مع إمكانية الاستعانة بوسائل علمية وتقنية، من قبيل تحاليل الحمض النووي والبصمات والمعطيات الطبية والصور، شريطة حفظها وتوثيقها بشكل يسمح بإجراء المطابقة عند توفر معلومات جديدة. وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى طبيعة الأحداث التي شهدتها سبتة، والتي خلفت وفيات وإصابات في صفوف المهاجرين الذين حاولوا الوصول إلى المدينة، وسط تضارب المعطيات حول عدد الضحايا ومصير بعض الأشخاص الذين لم يظهروا منذ ذلك الحين.

  أما بالنسبة إلى الأسر، فإن معرفة أن جثمان قريب لها يوجد في سبتة لا تشكل نهاية للقضية، بل بداية لمسار آخر يتعلق بالتعرف عليه، ومعرفة ظروف وفاته، ثم تحديد مصيره النهائي، سواء من خلال دفنه في المكان أو نقله إلى المغرب.

وفي هذا السياق، يصبح التنسيق بين السلطات الإسبانية والمغربية عاملا حاسما، خصوصا بالنسبة إلى المواطنين المغاربة الذين قد يكونون ضمن الجثامين التي لم يتم التعرف عليها. فإشراك المصالح القنصلية وتبادل المعطيات المتعلقة بالمفقودين، إلى جانب الاستعانة بالعينات البيولوجية التي يمكن أن تقدمها الأسر، من شأنه أن يساهم في تسريع عملية تحديد الهوية.

  كما أن دفن الجثامين مجهولة الهوية، في حال استنفاد الإجراءات الضرورية، يفترض أن يتم بطريقة تضمن إمكانية التعرف عليها لاحقا. ويعني ذلك توثيق كل جثمان بشكل دقيق، وحفظ عيناته ومعطياته، وتسجيل مكان دفنه، حتى لا يصبح القبر نهاية لمسار البحث. لكن الجانب الأكثر حساسية في القضية يبقى مرتبطا بظروف الوفيات نفسها. فكل جثمان يحمل معه أسئلة حول كيفية الوفاة والملابسات التي سبقتها، وهو ما يجعل التشريح والتحقيق القضائي وحفظ الأدلة عناصر أساسية في التعامل مع الملف.

  القضية لا ترتبط فقط بضرورة ضمان معاملة تحفظ كرامة الضحايا بعد وفاتهم، وإنما تمتد أيضا إلى حق أسرهم في معرفة مصيرهم وكشف حقيقة ما جرى لهم. فبالنسبة إلى عائلة لا تزال تجهل ما إذا كان أحد أفرادها حيا أو ضمن المتوفين، يظل الغموض قائما مهما طال الزمن، ولا يمكن أن يحسمه سوى تحديد الهوية وإبلاغ الأسرة بشكل رسمي. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى قدر أكبر من الوضوح بشأن عملية دفن الجثامين، بدءا من تحديد عددها وهويات من تم التعرف عليهم، وصولا إلى الكشف عن الإجراءات التي خضعت لها الجثامين مجهولة الهوية، والجهات التي تم إشعارها، خاصة الأسر والقنصلية المغربية.

وفي المقابل، يظل للسلطات المغربية دور أساسي في مواصلة تتبع الملف والتنسيق مع الجانب الإسباني، بالنظر إلى استمرار وجود أسر تبحث عن معلومات بشأن أبنائها منذ أحداث 30 يوليوز، فضلا عن حالات لم يتضح فيها بعد مصير بعض المفقودين.

الإشكال لا يكمن في الدفن باعتباره إجراء ضروريا في بعض الحالات، وإنما في ضمان استكمال ما يلزم من إجراءات قبله، والحفاظ بعده على جميع المعطيات التي تسمح بإعادة تحديد هوية الضحايا عند ظهور معلومات جديدة. ومع اقتراب موعد دفن الجثامين، يظل السؤال الأبرز مطروحا حول مدى استنفاد إجراءات البحث والتعرف على الهوية، والضمانات التي ستُعتمد للحفاظ على حق الأسر في الوصول إلى الحقيقة، حتى لا تتحول الجثامين مجهولة الهوية إلى ملفات يصعب فتحها من جديد.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا: هل استُنفدت جميع إجراءات البحث والتحري وتحديد هويات الضحايا قبل الشروع في دفنهم؟ وبينما تنتظر الأسر توضيحات رسمية وشافية بشأن مصير أبنائها، يظل سؤالها الأثقل حاضرا: أين يوجد أبناؤنا، وماذا حدث لهم؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.