الانتفاضة / ابراهيم السروت
تُعد الأحزاب السياسية ركيزة أساسية في أي نظام ديمقراطي، إذ تضطلع بتأطير المواطنين، وصياغة البرامج، والمساهمة في تدبير الشأن العام. غير أن هذه الأدوار تفقد قيمتها عندما تتغلغل مظاهر الفساد الأخلاقي والإداري داخل بعض التنظيمات الحزبية، فتتحول من فضاءات لخدمة الصالح العام إلى أدوات لتحقيق المصالح الشخصية والضيقة.
ويأخذ الفساد الأخلاقي أشكالًا متعددة، من بينها غياب النزاهة، واستغلال النفوذ، والمحسوبية، والزبونية، وتغليب الولاءات الشخصية على الكفاءة والاستحقاق، فضلاً عن تراجع الالتزام بالمبادئ والقيم التي تأسست عليها الأحزاب.
أما الفساد الإداري فيتجلى في سوء التدبير، وضعف الشفافية، وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة، وسوء تدبير الموارد المالية والبشرية.
وكما هو جلي، فإنّ هذه الممارسات تنعكس سلبًا على ثقة المواطنين عندما يتعلق الأمر بالعمل السياسي، حيث ترتفع معدلات العزوف عن المشاركة في الانتخابات، ويتزايد الشعور بعدم جدوى الانخراط الحزبي، وهو ما يؤثر في جودة الحياة الديمقراطية ويضعف المؤسسات التمثيلية.
إن مواجهة هذه الظواهر تتطلب إرادة سياسية حقيقية، تبدأ بإرساء مبادئ الحكامة الجيدة داخل الأحزاب، واعتماد الشفافية في اتخاذ القرار، واحترام الديمقراطية الداخلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع تعزيز دور هيئات الرقابة، فضلا عن تفعيل القوانين المتعلقة بمحاربة الفساد.
كما أن تجديد النخب السياسية، وتشجيع الكفاءات الشابة، واعتماد معايير الاستحقاق والنزاهة في تحمل المسؤوليات، من شأنه أن يسهم في إعادة الاعتبار للعمل الحزبي، ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات السياسية.
وفي السياق المغربي خاصة، تبقى محاربة الفساد مسؤولية مشتركة بين الدولة، والأحزاب السياسية، ومؤسسات الرقابة، والمجتمع المدني، والإعلام، باعتبارها معركة مستمرة تهدف إلى ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
إن الأحزاب السياسية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تكون قدوة في احترام القانون والأخلاق، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخلها، ولا يمكن بناء ديمقراطية قوية دون أحزاب قوية، نزيهة، وشفافة، تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.