الانتفاضة/ أكرام
شهدت المحكمة الابتدائية فصولا مثيرة من المتابعة القضائية في حق مجموعة من المتهمين، في ملف حظي بمتابعة واسعة نظرا لثقل صك الاتهام وتنوع الجرائم المنسوبة إلى المتابعين فيه، والتي تمس بالنظام العام والقوانين المنظمة للاتجار والترويج الدولي للمخدرات والمؤثرات العقلية، ناهيك عن قضايا الاعتداء الجسدي والفساد المالي. وقد قررت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية، بعد دراسة دقيقة لمعطيات ومحاضر الضابطة القضائية والاستماع إلى الأطراف المعنية، إيداع المتهمين السجن المحلي رهن الاعتقال الاحتياطي، مع تحديد تاريخ الأول من يونيو لعام 2026 موعدا لانطلاق أولى جلسات المحاكمة العلنية، في الملف الذي سجل تحت رقم 1379/2103/2026، لينطلق بذلك المسار القضائي الذي ينتظر أن يكشف عن خبايا وامتدادات هذه الأنشطة الإجرامية.
وتتوزع التهم الموجهة إلى المتابعين في هذا الملف لتكشف عن توليفة من الأفعال المخالفة للقانون، حيث يواجه المتهم “أيت الشايب” حزمة من الصكوك الجنائية والجنحية الثقيلة التي تبدأ بتقديم مشروبات كحولية للمغاربة المسلمين دون توفر الشروط القانونية وفي خرق سافر للمقتضيات التشريعية الجاري بها العمل، وهي التهمة التي تعاقب عليها القوانين المحلية بصرامة لحماية النظام العام والخصوصية الدينية والمجتمعية. ولا تقف متابعة المعني بالأمر عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل تسهيل استعمال المخدرات للغير، وهي جنحة تعكس دورا سلبيا في تشجيع الإدمان وتوفير البيئة الحاضنة لتعاطي الممنوعات، مما يرفع من درجة خطورته الإجرامية على الأمن الروحي والجسدي للمواطنين. وفوق كل هذا، يتابع “أيت الشايب” بتهمة محاولة الإرشاء، وهي محاولة يائسة وغير قانونية لتقديم منافع أو أموال لجهات رسمية أو موظفين عموميين بغرض التملص من المراقبة أو الإفلات من العقاب، مما يجعل منه متورطا في محاولة لضرب نزاهة المساطر القانونية وتحدي سلطة إنفاذ القانون.
أما الطرف الآخر المتابع في نفس هذا الملف المثير، وهو المتهم “وسيم فار”، فإنه يواجه تهما لا تقل خطورة وتتسم بطابع العنف المادي المباشر والامتداد العابر للحدود، حيث توبع بتهمة الضرب والجرح بواسطة السلاح، وهي جناية أو جنحة مشددة تعكس ميلا نحو العنف واستخدام أدوات خطيرة لترهيب المواطنين وإلحاق الأذى الجسدي البالغ بهم. وتنضاف إلى هذه التهمة جنحة المساهمة في مشاجرة نتج عنها ضرب وجرح، مما يوضح انخراط المتهم في أعمال عنف جماعية أدت إلى إخلال صارخ بالأمن العام وتسببت في إصابات بدنية لأطراف أخرى. غير أن التهمة الأكثر ثقلا والتي تمنح الملف أبعادا دولية متشابكة هي تهمة المشاركة في الترويج الدولي للمخدرات، وهي من الجرائم العابرة للحدود التي تستنفر الأجهزة الأمنية والقضائية لما لها من امتدادات وشبكات معقدة، وتأثيرات تخريبية على الاقتصاد والأمن الداخلي والدولي، مما يفسر صرامة قرار النيابة العامة في المتابعة في حالة اعتقال وتدقيق كافة الحيثيات المرتبطة بالملف.
إن إحالة هذا الملف على الجلسة ومتابعة المتهمين في حالة اعتقال تعكس الجدية الكبيرة التي تتعامل بها السلطات القضائية مع الجرائم التي تجمع بين العنف، والاتجار في الممنوعات، ومحاولة المس بنزاهة المؤسسات عبر الإرشاء. فالقرار الصادر بإيداع المتهمين السجن يعبر عن قناعة النيابة العامة بضرورة الحفاظ على الأمن العام، وضمان حضور المتهمين أمام العدالة، نظراً لخطورة الأفعال المقترفة وتأثيرها المباشر على المحيط الاجتماعي. إن الجمع بين تهم استهلاك وترويج وتسهيل استعمال المخدرات وتقديم الخمور بشكل غير قانوني، وبين تهم العنف المسلح والتهريب الدولي، يرسم صورة واضحة لشبكة أو علاقات إجرامية متشابكة تطلبت جهداً أمنياً كبيراً لتفكيكها وتقديم أطرافها إلى العدالة في هذا الإطار الرسمي الموثق.
وتأتي هذه المحاكمة لتؤكد مرة أخرى على استمرارية المقاربة الزجرية الصارمة في مواجهة شبكات التهريب الدولي للمخدرات وكل من يدور في فلكها من وسطاء ومساعدين، إذ إن تهمة الترويج الدولي تضع المتهمين تحت طائلة عقوبات سالبة للحرية ثقيلة جداً، وغرامات مالية باهظة تطالب بها إدارة الجمارك وباقي المؤسسات الشريكة في مكافحة هذه الآفة. كما أن تفاصيل المتابعة الخاصة بمحاولة الإرشاء تبرز اليقظة العالية لرجال الأمن وممثلي القانون الذين رفضوا الانصياع لإغراءات المال، وفضلوا تفعيل القانون وتطبيق مساطر المحاسبة والعدالة، مما يساهم في تعزيز ثقة المواطنين في المنظومة القضائية والأمنية للبلاد.
مع اقتراب موعد الجلسة المحددة في الأول من يونيو 2026، تتجه الأنظار صوب قاعة المحكمة الابتدائية لمتابعة أطوار المحاكمة العلنية، حيث ستتاح الفرصة للدفاع لتقديم دفوعاته الشكلية والموضوعية، كما ستواجه المحكمة المتهمين بالمنسوب إليهم بناءً على المحاضر والقرائن المضمنة في صك المتابعة رقم 1379/2103/2026. وستكون هذه الجلسات محط اهتمام الرأي العام بالنظر لطبيعة التهم وتداخلها، بين ما هو محلي مرتبطة بالاعتداءات والخمور وتسهيل المخدرات، وبين ما هو دولي مرتبط بشبكات التهريب العابر للقارات، لتظل الكلمة الفصل والنهائية للقضاء الذي يملك وحده سلطة تقدير العقوبات وتحديد المسؤوليات الجنائية لكل متهم على حدة وفقاً للقوانين والتشريعات المعمول بها.