الانتفاضة/ حميلة ناصف
دخل ملف مهنة العدول بالمغرب منعطفا غير مسبوق، بعد أن اختارت الهيئة الوطنية للعدول الانتقال من مربع التحذير إلى مربع التصعيد المفتوح، في خطوة تعكس حجم الاحتقان المتراكم داخل القطاع، وتكشف عن عمق الهوة التي باتت تفصل بين المهنيين والجهات المشرفة على ورش إصلاح منظومة التوثيق العدلي. هذا التطور اللافت لا يندرج ضمن احتجاج ظرفي عابر، بل يمثل انفجارا مؤسساتيا صامتا داخل أحد أكثر القطاعات ارتباطا بالأمن التوثيقي والقانوني للمواطنين.
ففي قرار وصفه متابعون بأنه الأقوى منذ سنوات، أعلنت الهيئة الوطنية للعدول عن دخولها مرحلة متقدمة من برنامجها النضالي، احتجاجا على ما اعتبرته تمريرا أحاديا لمشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم المهنة، دون استحضار المذكرات الترافعية والمقترحات التفصيلية التي تقدمت بها الهيئات المهنية طيلة الأشهر الماضية.
البلاغ الصادر عن المكتب التنفيذي للهيئة من الرباط حمل لهجة حادة وغير مسبوقة، كاشفا عن نفاد منسوب الصبر داخل الجسم العدلي، بعدما اعتبر المهنيون أن مسار التشاور الذي سبق مناقشة المشروع لم يكن سوى واجهة شكلية، في حين جرى تجاهل جوهر المطالب المرتبطة بتحديث المهنة وضمان استقلاليتها وتحصينها من كل أشكال التهميش المؤسساتي.
وفي ترجمة عملية لهذا الغضب، قرر العدول خوض توقف وطني شامل عن العمل ابتداء من يوم الاثنين 13 أبريل 2026، لمدة مفتوحة، مع تنظيم وقفة احتجاجية مركزية أمام مقر البرلمان بالرباط، في خطوة تحمل رسائل سياسية ومؤسساتية واضحة، عنوانها أن القطاع بلغ مرحلة كسر الصمت ورفض منطق فرض الأمر الواقع.
هذا التوقف لا يُنظر إليه فقط باعتباره خطوة احتجاجية مهنية، بل باعتباره مؤشرا على تصدع عميق في العلاقة بين السلطة التنظيمية والفاعلين الميدانيين. فمهنة العدول، التي تشكل ركيزة أساسية في هندسة التوثيق الشرعي والقانوني بالمغرب، ليست مجرد قطاع إداري يمكن تدبيره بمنطق القرارات الفوقية، بل فضاء حساس يمس بشكل مباشر مصالح المواطنين واستقرار المعاملات المدنية والأسرية والعقارية.
الهيئة شددت على أن هذا التصعيد ليس وليد اللحظة، بل يأتي في سياق مسار احتجاجي تراكمي، بدأ بمحطات إنذارية متتالية عكست إصرار العدول على الدفاع عن مطالبهم. فمنذ فبراير الماضي، خاض المهنيون سلسلة من الإضرابات التدريجية، تلتها أشكال احتجاجية متصاعدة بلغت ذروتها في الوقفة الوطنية المنظمة يوم 2 أبريل أمام البرلمان، والتي وصفتها الهيئة بأنها شكلت لحظة مفصلية أظهرت حجم التعبئة ووحدة الصف داخل القطاع.
اللافت في هذا الملف أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط ببعض المواد التقنية في مشروع القانون، بل يتصل بفلسفة النص برمتها. فالهيئة تعتبر أن المشروع في صيغته الحالية يعكس مقاربة تشريعية ضيقة، لم تستوعب التحولات العميقة التي شهدتها المهنة خلال العقود الأخيرة، ولم تواكب تطلعات العدول نحو تحديث الإطار القانوني بما ينسجم مع متطلبات الرقمنة، وتعزيز الحكامة المهنية، وترسيخ الضمانات القانونية والتنظيمية.
وترى الهيئة أن النص المقترح، بدل أن يؤسس لمرحلة جديدة من التأهيل المؤسساتي، يكرس اختلالات بنيوية قد تعمق أزمة الثقة داخل القطاع، خاصة في ظل ما تعتبره غيابا للتوازن بين سلطة الوصاية وحق المهنيين في المشاركة الفعلية في صياغة مستقبل مهنتهم.
ومن بين أكثر النقاط التي أثارت تحفظ العدول، ما يعتبرونه تضييقا على هامش استقلالية المهنة، وعدم استجابة المشروع لمطالب جوهرية تتعلق بتطوير الوضع الاعتباري للعدول، وتحسين شروط الممارسة، وإعادة ترتيب العلاقة التنظيمية بما يضمن نجاعة أكبر في الأداء.
كما عبرت الهيئة عن استغرابها من تجاهل تعديلات ومقترحات تقدمت بها فرق برلمانية من الأغلبية والمعارضة، معتبرة أن ذلك يطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق تدبير هذا الورش التشريعي، ويعزز الانطباع بوجود إرادة لتمرير النص بمنأى عن النقاش الحقيقي.
وفي خطوة تحمل بعدا سياسيا واضحا، وجهت الهيئة نداء مباشرا إلى رئيس الحكومة من أجل التدخل العاجل لفتح قنوات حوار جاد ومسؤول، تفاديا لانزلاق الأزمة نحو مزيد من التعقيد. فالعدول يؤكدون أن باب الحوار لم يُغلق من جهتهم، لكنهم يشددون في المقابل على أن أي حوار ينبغي أن يكون منتجا، قائما على الإنصات الحقيقي لا على منطق تدبير الوقت وامتصاص الغضب.
الهيئة ذهبت أبعد من ذلك، حين دعت رؤساء المجالس الجهوية إلى الانخراط المكثف في معركة التواصل مع الرأي العام، عبر شرح خلفيات الأزمة وكشف ما تعتبره اختلالات جوهرية في المشروع، معلنة عن التحضير لندوة صحفية مرتقبة لتفصيل مواقفها ووضع الرأي العام أمام الصورة الكاملة.
وفي لغة حازمة، حملت الهيئة الحكومة المسؤولية الكاملة عن كل التداعيات المحتملة لهذا التصعيد، بما في ذلك تعطيل مصالح المواطنين وتأخير إنجاز المعاملات التوثيقية، معتبرة أن الإصرار على تجاهل المطالب المهنية هو الذي دفع القطاع إلى هذه المرحلة الحرجة.
ويطرح هذا التطور أسئلة عميقة حول منهجية تدبير الإصلاحات القانونية في المغرب، ومدى قدرة المؤسسات على بناء توافقات حقيقية مع الفاعلين المعنيين، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاعات سيادية ذات حساسية قانونية واجتماعية كبيرة.
فالأزمة الحالية لا تبدو مجرد خلاف تقني حول نص قانوني، بل تعكس صراعا أوسع بين منطق الإصلاح التشاركي ومنطق التشريع الفوقي، وبين مطلب التحديث الحقيقي ومخاوف إعادة إنتاج أعطاب الماضي بصيغ جديدة.
ومع اقتراب موعد تنفيذ التوقف المفتوح، يجد ملف العدول نفسه على صفيح ساخن، في انتظار ما إذا كانت الحكومة ستلتقط رسائل الغضب الصادرة من قلب القطاع، أم أن البلاد مقبلة على شلل توثيقي قد يربك آلاف الملفات والمعاملات، ويفتح جبهة اجتماعية ومؤسساتية جديدة في توقيت شديد الحساسية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، يبقى السؤال مطروحا بقوة: هل تنجح الحكومة في احتواء غضب العدول وفتح صفحة تفاوض جديدة، أم أن القطاع مقبل على مواجهة مفتوحة قد تربك واحدة من أكثر المهن حساسية داخل المنظومة القانونية المغربية؟.
في خضم هذا التصعيد، تتجه الأنظار إلى التداعيات المباشرة التي قد تطال المواطنين والإدارة على حد سواء، إذ إن توقف العدول عن العمل لا يعني فقط تعليق نشاط مهني، بل يهدد بتجميد سلسلة كاملة من المعاملات الحيوية، من عقود الزواج والطلاق إلى التوثيق العقاري والإراثي، مرورا بمختلف التصرفات القانونية التي تعتمد على هذا الجهاز. هذا الارتباط العضوي بين مهنة العدول والحياة اليومية للمواطنين يجعل من أي شلل في القطاع مسألة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية حساسة، قد تمتد آثارها إلى تعطيل الاستثمار وتأخير تسوية النزاعات وتجميد مصالح آلاف الأسر.
وفي المقابل، يضع هذا الوضع صانع القرار أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرته على تدبير الأزمات ذات الطابع المهني والمؤسساتي بمنطق استباقي وتوافقي. فالمعادلة لم تعد محصورة في تمرير نص قانوني داخل المسار التشريعي، بل أصبحت مرتبطة بإعادة بناء الثقة مع الفاعلين المعنيين، وتبني مقاربة إصلاحية تقوم على الإنصات والتشارك بدل الإملاء. وفي غياب هذا التحول، قد يتحول هذا الملف إلى سابقة تؤثر على باقي الأوراش الإصلاحية، وتعيد طرح سؤال جوهري حول حدود التوازن بين سلطة التشريع وحق المهنيين في المساهمة الفعلية في صياغة القوانين المؤطرة لمهنهم.
التعليقات مغلقة.