الانتفاضة// بقلم : محمد السعيد مازغ .
عاد سليمان إلى بيته متعبًا بعد يومٍ طويل، يحمل في رأسه ضجيج الأخبار كما تُبثّ على الشاشات الصغيرة. ما إن جلس حتى انفتح هاتفه على سيلٍ من “الخبراء”: هذا يحلّل حربًا لم يقرأ عنها سطرًا، وذاك يصف وصفاتٍ عشبية بجرأةٍ مريبة، وثالث يبيع أوهام الثراء السريع، وآخرون يتحدّثون في كل شيء… بلا معرفة، لكن بثقةٍ لا تهتز. مئات، بل آلاف، يدفعون بالمعلومة لتعمّ—كما يقولون—“الفائدة”، لكنها في الحقيقة كثيرًا ما تعمّم الجهل.
في المساء، طرق جارُه الباب مذعورًا، يطلب النجدة لزوجته التي ساءت حالتها بعد تناول خليط أعشاب شاهدته في بث مباشر. هناك، في غرفة ضيّقة، رأى سليمان كيف تتحوّل الكلمات إلى سمٍّ مُقنّع. لم تعد مجرد آراء عابرة، بل قرارات تُؤخذ، وأجسادٌ تدفع الثمن.

ولم يكن ذلك المشهد استثناءً. في بيتٍ آخر، خلافٌ عائلي انفجر بسبب “نصيحة” انتشرت كالنار: تسجيلات تحرّض، اتهامات تُقال بثقة، وخصوصيات تُنتهك تحت غطاء الجرأة. أدرك سليمان أن البيوت لم تعد محصّنة؛ هناك اقتحامٌ صامت، تُديره خوارزميات تكافئ الأكثر إثارة، لا الأكثر صدقًا.
في اليوم التالي، جلس يدوّن. لم يكتب عن أشخاص، بل عن زمنٍ صار فيه الصوت العالي بديلًا عن الدليل، والانتشار معيارًا للحقيقة. تساءل بمرارة: كيف نحمي أنفسنا من هذا السيل؟ كيف نُميّز بين المعرفة والادّعاء؟ ومن يعيد للكلمة وزنها حين تُقال؟
ثم ختم فكرته ببساطة حاسمة:
المواجهة لا تبدأ من المنصات… بل منّا نحن.
أن نسأل قبل أن نُصدّق، أن نتحقّق قبل أن نُشارك، وأن ندرك أن كل “نصيحة” لا تستند إلى علمٍ أو مسؤولية، قد تكون ضررًا مؤجّلًا.
في زمن الفوضى الرقمية، لم يعد الجهل نقصًا في المعلومة… بل سوء اختيارٍ لها.
التعليقات مغلقة.