الانتفاضة // نور الهدى العيساوي
قبل أيام قليلة من حلول عيد الفطر، تعيش المحطات الطرقية بمختلف مدن المملكة على وقع حالة من الفتور غير المعتاد، في مشهد يخالف بشكل واضح الصورة التقليدية التي كانت تطبع هذه الفترة من السنة، حيث كانت هذه الفضاءات تتحول إلى نقاط عبور مكتظة تعجّ بالمسافرين الراغبين في قضاء عطلة العيد رفقة أسرهم.
ففي الوقت الذي كان يُفترض أن تعرف حركة النقل الطرقي ذروتها الموسمية، تشير إفادات مهنيين وعاملين داخل القطاع إلى تراجع ملحوظ في وتيرة الإقبال على السفر، سواء داخل المحطات الكبرى أو على مستوى الخطوط الرابطة بين المدن. ويؤكد هؤلاء أن مؤشرات الحركة الحالية لا تعكس بأي شكل من الأشكال الدينامية التي ميزت السنوات الماضية، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول الأسباب الكامنة وراء هذا التحول.
وتبرز محطة أولاد زيان بالدار البيضاء، باعتبارها واحدة من أهم مراكز النقل الطرقي في البلاد، كنموذج دال على هذا التراجع، حيث يسجل المهنيون بها انخفاضا في عدد المسافرين مقارنة بالفترات نفسها من الأعوام السابقة. غير أن هذا الوضع لا يبدو محصورا في العاصمة الاقتصادية، بل يمتد، وفق معطيات مهنية متطابقة، إلى عدد من المحطات الطرقية بمختلف جهات المملكة، ما يعكس تغيرا أوسع في سلوك التنقل لدى المواطنين خلال هذه المناسبة الدينية.
ويرى فاعلون في القطاع أن هذا الركود لا يمكن فصله عن السياق الاقتصادي العام، إذ يشكل ارتفاع كلفة السفر أحد أبرز العوامل المؤثرة في قرارات المواطنين. فقد شهدت أسعار تذاكر الحافلات زيادات متتالية خلال الفترة الأخيرة، تزامنا مع ارتفاع أسعار المحروقات، وهو ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية لفئات واسعة من المسافرين، خاصة ذوي الدخل المحدود الذين اعتادوا التنقل خلال الأعياد.
ولا يقف الأمر عند حدود التكلفة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى عوامل مرتبطة بجودة الخدمات وظروف السفر، حيث يشير مهنيون إلى استمرار بعض الاختلالات داخل عدد من المحطات الطرقية، من قبيل الفوضى التنظيمية، وضعف المراقبة، وانتشار ممارسات غير قانونية مثل النصب والابتزاز، وهي عوامل من شأنها أن تضعف ثقة المسافرين وتدفعهم إلى البحث عن بدائل أخرى أو العدول عن السفر من الأصل.
وفي سياق متصل، يلفت مهنيون إلى أن أنماط التنقل بدورها تعرف تحولات تدريجية، إذ بات بعض المواطنين يفضلون وسائل نقل بديلة، سواء عبر السيارات الخاصة أو خدمات النقل غير المهيكل، تفاديا لارتفاع الأسعار أو لتفادي الإكراهات المرتبطة بالمحطات الطرقية، وهو ما يساهم بدوره في تقليص الطلب على خدمات الحافلات التقليدية.
ورغم هذا الركود، لا يستبعد عدد من الفاعلين في القطاع أن تعرف الأيام القليلة التي تسبق العيد بعض الانتعاش النسبي، بالنظر إلى الطابع الاستعجالي الذي يميز قرارات السفر في هذه الفترة، غير أنهم يحذرون في المقابل من أن أي زيادات إضافية محتملة في أسعار التذاكر، في ظل سعي أرباب الحافلات إلى تغطية تكاليف التشغيل المرتفعة، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال تعميق حالة التراجع بدل الحد منها.
ويضع هذا الوضع قطاع النقل الطرقي أمام تحديات متعددة، تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية مع رهانات التنظيم والمراقبة وجودة الخدمات، في وقت يظل فيه الطلب على التنقل مرتبطا بشكل وثيق بالقدرة الشرائية للمواطنين وبمدى ثقتهم في المنظومة ككل. وبين هذا وذاك، يظل السؤال مطروحا حول ما إذا كانت المحطات الطرقية ستستعيد حركيتها المعهودة مع اقتراب عيد الفطر، أم أن هذا الركود يعكس بداية تحول أعمق في سلوك التنقل داخل المجتمع المغربي.
التعليقات مغلقة.