صحافة الظل: عندما تُصنع القضايا في العناوين قبل أن تُصنع في المحاكم

الانتفاضة// شاكر ولد الحومة

لم تعد الأزمة الحقيقية التي تواجه الصحافة اليوم أزمة وصول إلى المعلومة، بل أزمة التعامل معها، فالمعلومات في عصر الشبكات الرقمية متاحة بكثرة، لكن القدرة على التمييز بين الخبر والضجيج، بين التحقيق والإيحاء، أصبحت أكثر ندرة من أي وقت مضى.

في هذا السياق، برزت ظاهرة يمكن وصفها بـ “صحافة الظل”، وهي نمط من الكتابة الإعلامية لا يقوم على كشف الوقائع بقدر ما يقوم على تشكيل الانطباعات، نصوص تبدو للوهلة الأولى وكأنها تحقيقات صحفية، لكنها في العمق لا تقدم وقائع حاسمة ولا اتهامات واضحة، بل تكتفي بترتيب إشارات مبعثرة بطريقة تخلق لدى القارئ شعوراً بوجود قضية كبيرة… حتى وإن لم تكن موجودة بهذا الشكل في الواقع.

هذا النوع من المقالات لا يعتمد على الأدلة بقدر ما يعتمد على الهندسة الذكية للشك.
يتم ذكر مؤسسة، ثم اسم مسؤول فيها، ثم يُضاف اسم شخصية عمومية في الفقرة التالية، دون أن يُقال صراحة ما العلاقة القانونية أو الواقعية بين هذه الأطراف، لكن القارئ يخرج بانطباع واحد: هناك “شيئاً ما”.

هنا تبدأ المشكلة.

الصحافة المهنية تميز بين ثلاث درجات أساسية:
المعلومة المؤكدة،
المعطى قيد التحقق،
والتأويل أو الرأي.

أما في بعض النصوص المتداولة اليوم، فهذه الحدود تختفي تماماً. تتحول المعلومة غير المكتملة إلى شبه حقيقة، ويتحول السؤال إلى تلميح، ثم يتحول التلميح في ذهن القارئ إلى اتهام ضمني.

إنها طريقة كتابة لا تقول الشيء بشكل مباشر، لكنها تدفع القارئ إلى استنتاجه.

وهي تقنية معروفة في عالم الدعاية أكثر مما هي معروفة في عالم الصحافة.

الأخطر في هذا الأسلوب ليس فقط ما يُكتب، بل ما يُترك عمداً دون تفسير.
فالكاتب لا يوضح طبيعة العلاقة بين الأطراف، ولا يقدم وثائق، ولا ينقل تصريحات رسمية واضحة، ومع ذلك يضع الأسماء في سياق واحد، فينشأ الربط تلقائياً في ذهن المتلقي.

والنتيجة أن الخبر يتحول من نقل للواقع إلى بناء سردية إعلامية.

لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بالمحتوى وحده، بل بالسياق:
لماذا يظهر هذا النوع من المقالات في توقيت معين؟
ولماذا يتم التركيز على أسماء بعينها دون غيرها؟
ولماذا يُطرح الاشتباه إعلامياً قبل أن تتضح معالم الملف قضائياً؟

التجربة الإعلامية، في المغرب كما في دول كثيرة، أظهرت أن بعض “القضايا الصحفية” لا تولد دائماً في غرف التحرير، بل في مناطق رمادية بين الإعلام والسياسة والمصالح الاقتصادية، هناك حيث تصبح المقالات أحياناً أدوات ضغط، أو رسائل غير مباشرة، أو جزءاً من صراعات لا تظهر على السطح.

في مثل هذه الحالات، لا يكون الهدف دائماً إدانة شخص ما بشكل صريح، بل زرع الشك حوله،
والشك، في المجال العام، قد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من الاتهام المباشر.

لكن هذه الممارسات تطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً حول دور الصحافة نفسها.

فالصحافة وُجدت تاريخياً لتكون وسيلة كشف لا وسيلة إيحاء،
وأداة للتوضيح لا للتشويش.

عندما يتحول المقال الصحفي إلى نص يلمّح أكثر مما يشرح، ويترك الفراغات أكبر من المعلومات، فإن النتيجة لا تكون خدمة الحقيقة، بل خلق ضباب إعلامي يختلط فيه الخبر بالشائعة.

وهنا يصبح القارئ أمام معضلة حقيقية:
هل يثق بما يقرأ؟
أم يتعامل معه كجزء من لعبة أكبر لا يعرف قواعدها؟

المفارقة أن الرهان في مثل هذه المقالات غالباً ما يكون على أن القارئ لن يدقق كثيراً، لكن التجربة تثبت العكس، فمع تراكم التجارب الإعلامية، أصبح المتلقي أكثر قدرة على قراءة ما بين السطور، وأكثر حساسية تجاه النصوص التي تحاول توجيه انطباعاته دون تقديم وقائع صلبة.

ولهذا فإن المستقبل الحقيقي للصحافة لن يُحسم بعدد النقرات أو العناوين المثيرة، بل بقدرتها على استعادة ما فقدته بعض المنابر: الثقة.

الثقة التي تُبنى ببطء عبر الوقائع الموثقة، والأسئلة الواضحة، والتمييز الصارم بين الخبر والرأي.

أما النصوص التي تُكتب لتثير ضجيجاً مؤقتاً، فهي قد تنجح في احتلال مساحة من النقاش ليوم أو يومين… لكنها غالباً ما تختفي بسرعة، لأن الضجيج الإعلامي، مهما كان مرتفعاً، لا يستطيع أن يحل محل الحقيقة.

وفي نهاية المطاف، تبقى قاعدة بسيطة تحكم كل تجربة صحفية حقيقية:
القضية التي تُبنى على الوقائع تعيش طويلاً،
أما القضية التي تُبنى على الإيحاء… فغالباً ما تنهار بمجرد ظهور أول حقيقة.

التعليقات مغلقة.