الانتفاضة/ سلامة السروت
أثار الجدل الذي رافق وضعية سد وادي المخازن خلال الأيام الماضية موجة من القلق وسط ساكنة عدد من المناطق الشمالية، ليس فقط بسبب المخاوف المرتبطة بالتقلبات المناخية وارتفاع منسوب المياه، ولكن أيضا بسبب ما وصفه متخصصون في تواصل الأزمات بـ“الفراغ المعلوماتي” الذي طبع أداء الجهات المعنية. فبين تسارع الأحداث ميدانياً وغياب معطيات رسمية دقيقة ومُحينة، وجدت الشائعات طريقها بسهولة إلى الفضاء الرقمي، لتتحول إلى مصدر رئيسي للأخبار لدى المواطنين.
عدد من الأكاديميين المغاربة المتخصصين في تواصل الأزمات وتدبير المخاطر عبروا عن استغرابهم من ضعف استجابة هياكل وزارة التجهيز والماء وأجهزة حكومية أخرى في مواكبة الوضع تواصليا. واعتبروا أن غياب البلاغات المنتظمة والتوضيحات التقنية فتح الباب أمام التأويلات والقراءات غير الدقيقة، ما ساهم في تضخيم المخاوف وخلق حالة من الارتباك، خاصة في المناطق القريبة من السد أو المعرضة لمخاطر الفيضانات.
في أوقات الأزمات، لا يتعلق الأمر فقط بالإجراءات الميدانية والتدخلات التقنية، بل أيضا بكيفية إدارة المعلومة. فالمواطن، كما يؤكد الخبراء، يحتاج إلى الاطمئنان بقدر حاجته إلى الحماية. وعندما تغيب المعلومة الرسمية، يملأ الفراغ أي محتوى متداول، مهما كان مصدره أو دقته. وهنا تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى بيئة خصبة للشائعات، حيث تختلط الحقائق بالتخمينات، ويصعب التمييز بين الموثوق والمضلل.
ووفق المتخصصين، فإن تواصل الأزمات لم يعد ترفا مؤسساتيا أو مجرد نشاط ثانوي، بل أصبح جزءا أساسيا من منظومة تدبير المخاطر. فالمعايير الدولية في هذا المجال تؤكد على ضرورة توفير معلومات دقيقة ومحدثة بشكل دوري، بلغة واضحة ومبسطة، مع شرح السيناريوهات المحتملة وخطط الاستجابة لكل منها. الهدف ليس فقط الإخبار، بل بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
ويرى هؤلاء أن ما حدث بخصوص سد وادي المخازن يعد نموذجا واضحا لما يمكن أن يترتب عن غياب استراتيجية تواصلية استباقية. فالتأخر في إصدار المعطيات أو الاكتفاء بتصريحات مقتضبة يفتح المجال أمام روايات بديلة قد تكون أكثر إثارة، لكنها أقل دقة. ومع تزايد القلق الشعبي، تتضاعف الضغوط على السلطات، ما يجعل تدبير الأزمة أكثر تعقيدا.
ويشدد الأكاديميون على أن الشفافية ليست خيارا سياسيا أو إعلاميا فقط، بل هي أداة عملية لتقليل المخاطر. فعندما يعرف المواطن حقيقة الوضع، ومستوى الخطر، والإجراءات المتخذة، يصبح أكثر استعدادا للتعاون والالتزام بالتوجيهات. أما الغموض، فيؤدي غالباً إلى ردود فعل عشوائية، مثل النزوح غير المنظم أو تصديق الأخبار الزائفة أو حتى فقدان الثقة في المؤسسات.
كما أشاروا إلى أن إدارة الأزمات الحديثة تقوم على مبدأ “التواصل المتزامن”، أي أن تكون المعلومة متاحة في نفس اللحظة التي يتم فيها اتخاذ القرار الميداني. فكل تأخر في نشر المعطيات يخلق فجوة زمنية تستغلها الشائعات. لذلك، يُفترض أن تعمل قنوات التواصل الرسمية بشكل مستمر، عبر البلاغات الدورية، والمؤتمرات الصحفية، والمنصات الرقمية، مع توحيد الرسالة وتنسيقها بين مختلف المتدخلين.
ومن بين التوصيات التي قدمها الخبراء، إحداث خلية تواصل خاصة بالأزمات داخل كل قطاع حكومي، تضم مختصين في الإعلام وإدارة المخاطر، تكون مهمتها تتبع المعطيات الميدانية وتحويلها بسرعة إلى محتوى تواصلي مفهوم. كما دعوا إلى اعتماد خرائط تفاعلية ونشرات تحذيرية مبسطة، وتحديث المعلومات بشكل منتظم، حتى لو لم تكن هناك مستجدات كبيرة، لأن الاستمرارية في التواصل تعزز الإحساس بالمتابعة والجدية.
ويؤكد المتابعون أن المغرب، الذي راكم خبرة مهمة في تدبير الكوارث الطبيعية والتقلبات المناخية، بات مطالبا بتطوير الجانب التواصلي بنفس القدر. فنجاح أي تدخل ميداني قد يتأثر سلبا إذا لم يواكبه شرح كاف للرأي العام. وفي عصر الرقمنة والتدفق السريع للمعلومات، لم يعد الصمت خيارا آمنا.
في المحصلة، تكشف واقعة سد وادي المخازن أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في التحكم في المياه أو البنيات التحتية، بل أيضا في التحكم في تدفق المعلومات. فالمعلومة الدقيقة في الوقت المناسب قد تمنع حالة هلع، وتجنب قرارات متسرعة، وتحافظ على ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
وبينما تتزايد المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية وتكرار الظواهر القصوى، يصبح من الضروري الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الأزمة إلى منطق الاستباق، سواء ميدانياً أو تواصليا. لأن إدارة الأزمات في نهاية المطاف ليست فقط مسألة معدات وتجهيزات، بل أيضا مسألة كلمات ورسائل تبعث الطمأنينة وتعيد ترتيب الأولويات.
التعليقات مغلقة.