إدريس السنتيسي والحركة الشعبية: من التحالف إلى الانفصال

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

يشهد المشهد السياسي المغربي بين الفينة والأخرى تحولات عميقة تعكس طبيعة العلاقات داخل الأحزاب السياسية، ومدى تأثير الخلافات الداخلية على تماسكها واستمراريتها. ومن بين أبرز الأحداث السياسية التي أثارت اهتمام الرأي العام مؤخرا، إعلان ما وصف بـ”الطلاق الرسمي” بين إدريس السنتيسي وحزب الحركة الشعبية، وهو حدث لم يكن مفاجئا بالكامل للمتابعين للشأن السياسي المغربي، لكنه يحمل في طياته دلالات سياسية وتنظيمية مهمة تستحق التحليل والتأمل.

يُعتبر إدريس السنتيسي من الأسماء السياسية البارزة في المغرب، حيث راكم تجربة طويلة داخل المؤسسات المنتخبة، وارتبط اسمه بحزب الحركة الشعبية لسنوات عديدة. وقد شغل عدة مناصب سياسية وبرلمانية، ما جعله أحد الوجوه المعروفة داخل الحزب وخارجه. غير أن العلاقة بين الرجل والحزب بدأت تعرف توترًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد ظهور خلافات حول التوجهات السياسية والتنظيمية للحزب، إضافة إلى اختلاف وجهات النظر بشأن طريقة تدبير المرحلة المقبلة.

ويبدو أن هذا الانفصال لم يكن مجرد خلاف عابر، بل نتيجة تراكمات طويلة من التباينات الفكرية والسياسية. فالأحزاب السياسية، مهما بلغت درجة انسجامها، تبقى فضاءات مفتوحة للاختلاف والنقاش، غير أن غياب آليات فعالة لتدبير الخلافات قد يؤدي إلى انقسامات حادة تؤثر على صورة الحزب ومكانته. وفي حالة الحركة الشعبية، فإن مغادرة شخصية بحجم إدريس السنتيسي قد تطرح تساؤلات حول قدرة الحزب على الحفاظ على وحدته الداخلية واستعادة بريقه السياسي.

ومن جهة أخرى، يرى بعض المتابعين أن هذا “الطلاق السياسي” يعكس أزمة أعمق تعيشها الأحزاب المغربية عمومًا، والمتمثلة في ضعف الديمقراطية الداخلية، وهيمنة بعض القيادات على القرار الحزبي، وغياب التجديد في الخطاب السياسي. فالكثير من الأحزاب أصبحت تعاني من صراعات شخصية أكثر منها اختلافات إيديولوجية، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان الثقة لدى المواطنين، خاصة الشباب، في العمل الحزبي والسياسي.

كما أن هذا الحدث يسلط الضوء على التحولات التي يعرفها المشهد الحزبي المغربي في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المغرب. فالمواطن المغربي أصبح أكثر وعيًا وانتقادًا للأداء السياسي، ولم يعد يقبل بالشعارات التقليدية أو الصراعات الداخلية التي لا تخدم المصلحة العامة. لذلك، فإن أي انقسام داخل حزب سياسي قد يُنظر إليه كدليل على ضعف الرؤية وعدم القدرة على مواكبة تطلعات المواطنين.

وفي المقابل، قد يشكل هذا الانفصال فرصة جديدة لكل من إدريس السنتيسي وحزب الحركة الشعبية لإعادة ترتيب الأوراق. فالسنتيسي، بحكم تجربته السياسية، قد يسعى إلى خوض تجربة جديدة داخل إطار سياسي آخر، أو تبني مواقف مستقلة تتيح له هامشًا أوسع من التحرك والتأثير. أما الحزب، فقد يجد نفسه أمام ضرورة مراجعة بنيته التنظيمية وتجديد نخبته السياسية من أجل استعادة الثقة وتعزيز حضوره في الساحة السياسية.

ولا يمكن الحديث عن هذا الموضوع دون التطرق إلى دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم أو توضيح مثل هذه الأحداث. فقد أصبح الرأي العام يتابع تفاصيل الخلافات السياسية بشكل يومي، وتتحول بعض القضايا الداخلية إلى نقاشات وطنية مفتوحة. وهذا الأمر يفرض على الأحزاب السياسية اعتماد مزيد من الشفافية والتواصل الفعال مع المواطنين، بدل ترك المجال للإشاعات والتأويلات المختلفة.

إن الانفصال بين إدريس السنتيسي وحزب الحركة الشعبية ليس مجرد حدث عادي، بل يعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها السياسة المغربية، حيث تتقاطع المصالح الشخصية مع التحديات التنظيمية، وتبرز الحاجة إلى إصلاحات حقيقية داخل الأحزاب. فالممارسة السياسية الناجحة لا تقوم فقط على الفوز في الانتخابات، بل أيضًا على القدرة على إدارة الاختلاف، واحترام التنوع داخل التنظيمات الحزبية، وتقديم برامج واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين.

وفي النهاية، يمكن القول إن هذا “الطلاق الرسمي” قد يكون بداية مرحلة جديدة في الحياة السياسية للطرفين، لكنه في الوقت نفسه يشكل رسالة واضحة حول أهمية تجديد العمل الحزبي في المغرب. فالأحزاب التي لا تستطيع احتواء خلافاتها الداخلية أو تطوير أساليب اشتغالها ستجد نفسها عاجزة عن مواكبة التحولات المجتمعية والسياسية المتسارعة. أما الشخصيات السياسية، فإن استمرار تأثيرها يبقى مرتبطًا بقدرتها على التكيف مع المتغيرات، والحفاظ على ثقة المواطنين من خلال المصداقية والعمل الجاد.

ويبقى السؤال المطروح: هل سيكون هذا الانفصال مجرد حدث عابر في التاريخ السياسي المغربي، أم أنه سيشكل نقطة تحول حقيقية داخل حزب الحركة الشعبية والمشهد الحزبي عمومًا؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة عن هذا السؤال، لكن المؤكد أن السياسة المغربية تدخل باستمرار مراحل جديدة تفرض على الجميع إعادة التفكير في أساليب العمل والتواصل وخدمة الصالح العام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.