الانتفاضة// سيداتي بيدا
لم تعد رحلة سائق الشاحنة المغربية نحو الضفة الشمالية للمتوسط مجرد مهمة لنقل البضائع، بل تحولت إلى اختبار يومي للصبر والتحمل في مواجهة منظومة من الإجراءات الصارمة التي فرضتها السلطات الإسبانية تنفيذاً لحزمة التنقل الأوروبية. وبين النصوص القانونية ومتطلبات الواقع، يجد السائق المغربي نفسه الحلقة الأضعف في معادلة لا ترحم.فمع توسيع نطاق تطبيق التشريعات الأوروبية لتشمل الشاحنات التي يتراوح وزنها بين 2.5 و3.5 طن، أصبح آلاف المهنيين المغاربة مطالبين بالامتثال للقواعد نفسها المفروضة على الشاحنات الثقيلة، بما في ذلك تركيب أجهزة التاكوغراف الرقمية، واحترام ساعات القيادة وفترات الراحة الإلزامية، والخضوع لمراقبة دقيقة عند المعابر الحدودية والموانئ.
ورغم أن هذه الإجراءات ترفع شعار السلامة الطرقية وتنظيم قطاع النقل، فإن انعكاساتها على الناقلين المغاربة تبدو أكثر قسوة من أي وقت مضى. فالسائق الذي يتأخر عن موعد التسليم بسبب ساعات الراحة القانونية يجد نفسه في مواجهة ضغوط متزايدة من شركات النقل، التي ترتبط بعقود صارمة مع زبنائها، بينما يتحمل السائق وحده تبعات التأخير وما يرافقه من توتر وخسائر.
وتزداد الأزمة تعقيداً مع إلزام الشاحنات بالتوقف داخل مواقف محددة قبل استكمال إجراءات العبور نحو المغرب، وهي مواقف لا تستوعب الأعداد الكبيرة للمركبات، ما يؤدي إلى طوابير طويلة قد تمتد لأيام. ويؤكد مهنيون أن بعض السائقين يضطرون إلى الانتظار قرابة خمسة أيام قبل استكمال إجراءاتهم، وهو زمن كفيل بإفساد بعض السلع وإرباك سلاسل التوريد الدولية.
ولا تقف المعاناة عند حدود الانتظار، إذ إن امتلاء المواقف يدفع عدداً من السائقين إلى التوقف على جنبات الطرق المجاورة للموانئ، ليجدوا أنفسهم عرضة لغرامات مالية قد تتجاوز ألف يورو، فضلاً عن إخضاع شاحناتهم لعمليات تفتيش مشددة ضمن ما يعرف بـ”المسار الأحمر”، بما يترتب عن ذلك من تأخير إضافي وتعقيدات إدارية.

الجمعية المغربية للنقل البري العابر للقارات دقت ناقوس الخطر، معتبرة أن استمرار هذه الوضعية يهدد القدرة التنافسية لشركات النقل المغربية، ويثقل كاهل السائقين الذين أصبحوا يدفعون ثمن اختلالات لوجستية لا يد لهم فيها. كما طالبت بفتح قنوات حوار مع السلطات الإسبانية والجهات الأوروبية لإيجاد حلول عملية تراعي خصوصية حركة النقل بين ضفتي المتوسط.
إن حماية السلامة المرورية هدف مشروع لا يختلف حوله أحد، لكن نجاح أي تشريع يقاس بقدرته على تحقيق التوازن بين احترام القانون وضمان انسيابية الحركة التجارية. أما حين تتحول القوأنين الى مصدر الازدحام والخسائر والضغط النفسي ،فإنها تصبح بحاجة إلى مراجعة تضمن العدالة والفاعلية معا .
ويبقى السائق المغربي ،الذي يحمل على علاقه مسؤولية تأمين تدفق السلع بين اوروبا والمغرب في انتظار حلول حقيقية تنصفه وتضع حدا لمعاناة باتت تتكرر في كل رحلة حتى لا تتحول الطريق الدولية إلى مسار للعقوبات بدل ان تكون جسرا التبادل الاقتصادي .