الانتفاضة ^^^ عمر المسيوي
يجب أن نستسلم للأمر الواقع، وبنوع من الإيمان القهري بالقدر المشؤوم : يبدو أن هذه الكأس الإفريقية لا تريدنا. إنه الفشل الكبير والمستمر، ظل أسود يمتد لعقود من الزمن، استنزف طموحات جميع رؤساء الجامعات المتعاقبين. من عهد باموس إلى الزموري، ومن الولاية الطويلة لبنسليمان إلى سنوات الفاسي الفهري، وصولا إلى عصر “الاحتراف الفائق” مع لقجع… الحصيلة تتسم بقسوة لا توصف.
على الرغم من تعاقب الأجيال، والميزانيات الضخمة، والبنيات التحتية المتطورة، يظل لقب 1976 أثرا معزولا، وكأن ختما غير مرئي يمنع طريق المغرب نحو العرش القاري. هناك شيء “ملعون” في علاقتنا بـ “الكان”، سقف زجاجي يأبى الانكسار، مهما كانت قوة الضربات التي نوجهها إليه.
ومع ذلك، وبعيدا عن الميتافيزيقا، عن الكبرياء المجروح والاستياء المشروع تجاه القرارات التحكيمية أو عقوبات “الكاف”، يفرض سؤال حيوي نفسه: هل سنقضي حياتنا في إعادة لعب المباراة ضد القدر، أم أننا سنتعلم أخيرا كيف نروضه؟ لقد حان الوقت لطي صفحة الإجراءات القانونية وصراعات الكواليس، لنقف وقفة تأمل حقيقية أمام صورتنا. ليس أمام بنياتنا التحتية اللامعة أو قوتنا الناعمة الاقتصادية (وهي مجالات يلعب فيها المغرب بالفعل مع الكبار) بل أمام المستطيل الأخضر. لقد بنينا اهرامات لكرة القدم، لكننا فوق الميدان، ما زلنا نمارس أحيانا كرة قدم من زمن آخر.
المفارقة صارخة: نحن نمتلك ملاعب تليق بسنة 2030، لكن واقعيتنا أمام المرمى تبدو أحيانا وكأنها تعود لتسعينيات القرن الماضي. مغرب هذه النسخة من “الكان” سيطر، استحوذ، وأبهر، لكنه لم يعرف كيف “يقتل” المباراة. في النهائي، كما في اللحظات الحاسمة من تاريخنا الحديث، غاب التدبير العاطفي وغريزة الافتراس. لا تربح الألقاب بإحصائيات الاستحواذ أو بالمركبات الرياضية ذات الخمس نجوم، بل بدم بارد وفعالية جراحية. يجب أن نستأصل ثقافة “الخاسر الجميل” والميل إلى الخروج من أجواء المباراة بسبب استفزازات الخصوم. الأمة الكروية العظيمة لا تبرر وجودها بالبلاغات الصحفية، بل ترد بالنتيجة في الميدان.
لكن، ربما يكمن التفسير في مكان آخر. ربما قدر المغرب ليس هو التربع على عرش قارته، بل حمل لواء إفريقيا أمام بقية العالم. فإذا كانت “الكان” تهرب منا، فإن التاريخ لا يكذب: النجاحات الإفريقية الأولى والأكبر على الساحة العالمية كانت دائما مغربية. منذ عام 1970 بالمكسيك حيث كنا أول من كسر السقف الزجاجي، وصولا إلى الملحمة البطولية في قطر 2022 حيث بلغنا المربع الذهبي، كان المغرب دائما هو الرائد، الأخ الأكبر القادر على النظر في أعين القوى العالمية. هناك مفارقة ساخرة وجميلة في هذا الاستنتاج: نحن “أنبياء” في كل مكان، إلا في قارتنا. ربما نمتلك ببساطة حظا أوفر، أو عبقرية أكبر، تحت أضواء كأس العالم مما نمتلكه في كأس إفريقيا.
إن العيش في المستقبل يعني القبول بأن الورش الذي يفتح للمرحلة 2026 و2030 ليس ورشا لوجيستيكيا، بل هو ورش كروي وثقافي بامتياز. يتعلق الأمر بإعادة ابتكار هويتنا الكروية للانتقال من فريق “انتقالي” إلى آلة قادرة على فرض منطقها دون الاستسلام للنرفزة، والعقد التاريخية. يجب أن يصبح العمل الذهني أولوية قصوى تماما كالتكتيك، لأن لاعبينا يبدو أنهم يحملون ثقل هذه اللعنة الإفريقية كعبء، في حين يرتدون قميص المنتخب كدرع حصين على الساحة العالمية. لنترك الدبلوماسيين يديرون الهيئات؛ وليركز اللاعبون على العشب. مغرب الغد يجب أن يصبح آلة باردة، كسد ضد الفوضى، قادر على كسر النحس، ليس بالشكوى، بل بالقوة الخالصة لكرة القدم.
لقد طويت الصفحة، والعالم ينتظرنا بالفعل، ليس بكبريائنا المجروح لكن بقوة مثابرتنا واستشرافنا للمستقبل !
التعليقات مغلقة.