الانتفاضة // نور الهدى العيساوي
عاد الجدل مجددًا بالمملكة المغربية، مع اقتراب شهر رمضان المبارك، حول الساعة الإضافية التي فُرضت كتوقيت رسمي دائم، قبل أن يتم التخلي عنها مؤقتًا خلال الشهر الفضيل، في مفارقة تكشف حجم الارتباك الذي يطبع هذا القرار منذ اعتماده. فكيف يمكن لتوقيت يُسوَّق كخيار استراتيجي واقتصادي أن يصبح غير صالح لشهر واحد فقط، ثم يُعاد العمل به مباشرة بعده؟
النقاش حول الساعة الإضافية لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّل إلى احتقان اجتماعي متكرر، تغذيه الآثار السلبية الواضحة لهذا الإجراء على الصحة النفسية والبيولوجية للمواطنين. فالتوقيت الصيفي، كما يصفه معارضوه، أربك الساعة البيولوجية لشرائح واسعة من المجتمع، وأثر بشكل مباشر على جودة النوم والتركيز والإنتاج، خاصة لدى الأطفال والتلاميذ، الذين يُجبرون خلال فصل الشتاء على مغادرة منازلهم في ساعات مبكرة، تحت جنح الظلام، في ظروف مناخية وأمنية لا تخلو من المخاطر.
ورغم هذه الانعكاسات، تواصل الجهات المدافعة عن الساعة الإضافية التشبث بمبررات اقتصادية وطاقية، تتحدث عن ملاءمة التوقيت مع الشركاء الأوروبيين وترشيد استهلاك الطاقة. غير أن هذه الحجج باتت فاقدة لقوتها، خصوصًا بعد أن تراجعت عدة دول أوروبية عن العمل بالتوقيت الصيفي، بعدما خلصت دراسات رسمية إلى محدودية مكاسبه مقابل أضراره الصحية والاجتماعية. فهل يعقل أن يستمر المغرب في الدفاع عن خيار تخلت عنه الجهة التي استُعملت أصلًا كمرجع لتبريره؟
الأكثر إثارة للانتقاد هو منطق الاستثناء الذي يرافق هذا القرار، إذ يتم تعليق العمل بالساعة الإضافية مع حلول شهر رمضان، في اعتراف غير معلن بعدم ملاءمتها للإيقاع اليومي للمغاربة. هذا التراجع المؤقت يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كانت الساعة الإضافية تشكل عبئًا خلال شهر واحد، فلماذا يُطلب من المواطنين تحمل تبعاتها طوال باقي السنة؟
ويعتبر متابعون أن استمرار هذا الوضع يعكس غياب تقييم علمي مستقل يوازن بين الكلفة الصحية والاجتماعية لهذا القرار ومنافعه الاقتصادية المفترضة، فضلًا عن غياب إشراك حقيقي للرأي العام في اتخاذ قرار يمس تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة، من المدرسة إلى العمل، ومن النوم إلى السلامة الشخصية.
ومن المرتقب، وفق الصيغة المعتمدة سنويًا، أن يتم حذف الساعة الإضافية ابتداءً من الساعة الثالثة صباحًا من يوم الأحد 15 فبراير 2026، تزامنًا مع حلول شهر رمضان، على أن يُعاد العمل بها بعد انتهائه، في مشهد يعيد إنتاج الجدل ذاته، ويؤكد أن الحلول الترقيعية لم تعد كافية لاحتواء الغضب المتراكم.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تحتاج الساعة الإضافية إلى رمضان فقط كي تسقط؟ أم أن الوقت قد حان لحسم نهائي يضع صحة المواطن وكرامته اليومية فوق حسابات لم تثبت نجاعتها؟
التعليقات مغلقة.