الانتفاضة / حسن الفارسي
تشكل الوظيفة العمومية الملاذ الآمن والضامن الاستقراري للأفراد، وخاصة الفئات الهشة سوسيو اقتصادياً. وفي هذا السياق، تُطرح “المباراة الموحدة للأشخاص في وضعية إعاقة”، كآلية مؤسساتية اعتمدتها الدولة المغربية لتعزيز الإدماج المهني وتحقيق العدالة والإنصاف، انسجاماً مع مقتضيات دستور المملكة لسنة 2011 والالتزامات الدولية ذات الصلة.
غير أن هذه المبادرة، ورغم نبل منطلقاتها النظرية، ما تزال تعتريها مجموعة من النقائص والاختلالات البنيوية التي تحد من فعاليتها، بل وتُقوِّض الأهداف المتوخاة منها؛ حيث تحولت من أداة لإنصاف المستحقين إلى آلية تكرس الإقصاء وتساهم في تراكم أفواج الخريجين لسنوات متتالية دون إيجاد حلول حقيقية ومستدامة. فأين تكمن هذه الاختلالات؟ وكيف تحولت المباراة إلى عبء يفرض مراجعته جذرياً نحو التوظيف المباشر؟
1. التشخيص المادي والاجتماعي: مفارقة الحصيص الهزيل و”الحيف الرقمي”
يتأثر الواقع الاجتماعي والمادية للمتبارين بشكل مباشر بكيفية تدبير وتوزيع المناصب المالية، وهنا تبرز مفارقة الأرقام الهزيلة التي لا تنسجم مطلقاً مع حجم البطالة المتفشية في صفوف هذه الفئة، لا سيما من حاملي الشهادات العليا
محدودية المناصب المالية: إن الاقتصار على حصيص هزيل لا يتجاوز مائتي (200) منصب مالي لجميع الإعاقات على الصعيد الوطني، يعد رقماً صادماً يعكس فجوة عميقة بين العرض الشحيح والطلب المتزايد نتيجة تراكم الخريجين المعطلين سنة بعد أخرى.
صدمة التوزيع غير المنصف (ذوو الإعاقة البصرية نموذجاً): في تفكيكٍ لبنية هذه المباراة، يصطدم المراقب بحيف ظهير؛ إذ تُخصَّص 40 منصباً فقط لفئة ذوي الإعاقة البصرية من أصل 200 منصب.
إن هذه النسبة تعد غير منصفة بتاتاً لشريحة تظل فرصها محصورة غالباً في التخصصات الأدبية والقانونية، في حين تنفرد الإعاقة الحركية بحصة الأسد في التخصصات العلمية والتقنية والآليات الاقتصادية، مما يكرس نوعاً من التمييز غير المباشر ويُعمق “الحيف الرقمي”.
مضاعفة المعاناة المادية والنفسية: يواجه المتبارون النزهاء ضغوطاً مادية ونفسية مضنية (تكاليف التنقل، غياب الولوجيات، غياب الدعم) لاجتياز مباراة بفرص نجاح شبه منعدمة، مما يولد شعوراً عاماً بالإحباط واليأس.
2. اختلالات التنزيل: زحف الموظفين وشبهة الشواهد “المزورة”
لم تقف إشكاليات المباراة الموحدة عند حدود شح المناصب، بل تعدتها إلى اختلالات تدبيرية وقانونية تضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل:
تزاحم الموظفين وتقليص فرص المعطلين: يسمح تنظيم المباراة بمشاركة الموظفين في وضعية إعاقة الراغبين في الترقية أو تغيير الإطار، مما يؤدي عملياً إلى سطو هذه الفئة على المناصب المحدودة وتفريغ المباراة من بعدها الاجتماعي التضامني الذي يجب أن يستهدف حصراً المعطلين غير المدمجين في سوق الشغل للحد من عطالتهم القسرية.
معضلة الشواهد الطبية المشكوك في صحتها: إن غياب آليات صارمة للتحقق الرقمي والطبي يفتح الباب على مصراعيه أمام “قناصي الفرص” من بعض الأشخاص الأسوياء الذين يعمدون إلى تزوير شواهد الإعاقة دون مراقبة زجرية صارمة. هذا التراخي في التدقيق يحول المناصب المستحقة إلى ريع يستفيد منه من يملك قدرة أكبر على التحايل الإداري، مما يعصف بحقوق ذوي الإعاقة الحقيقيين.
3. حتمية البديل الاستراتيجي: إلغاء المباراة وإقرار التوظيف المباشر
أمام هذه العلات البنيوية، لم تعد الترقيعات الإدارية كافية، بل أصبح إلغاء المباراة الموحدة ضرورة ملحة تفرضها بيئة التدبير الحالية؛ فالمباراة أثبتت عجزها عن استيعاب التدفقات السنوية للخريجين الذين يطالهم شبح الشيخوخة ويفقدون شروط التوظيف بسبب عامل السن (الرفد من التوظيف) دون الحصول على فرصتهم العادلة.
المطلب الاستراتيجي البديل:
إلغاء المباراة الموحدة:*
تجاوز معضلة الشواهد المزورة.
إنهاء معاناة التنقل والتباري العبثي.
حماية المتبارين من مقصلة “السن القانوني”.
إقرار التوظيف المباشر:*
حصيص لا يقل عن 1000 منصب سنوي.
استيعاب تراكم الخريجين المعطلين.
تفعيل بطاقة الإعاقة كإثبات وحيد.
1. إقرار التوظيف المباشر بحصيص لا يقل عن 1000 منصب مالي سنوياً: لامتصاص أفواج المعطلين المتراكمة لسنوات متتالية، وحمايتهم من تجاوز السن القانونية للتوظيف، يجب فتح باب التوظيف المباشر كآلية استثنائية فورية تعكس التزام الدولة الاجتماعي بإنهاء عطالة هذه الفئة كلياً.
2. اعتماد “بطاقة الإعاقة الرسمية” كإثبات وحيد وقاطع: يجب إخراج بطاقة الإعاقة المؤمنة والمسلمة وفق معايير رقمية وصحية دقيقة لتكون الوثيقة القانونية والسيادية الوحيدة لولوجهذا الحق، مما يقطع دابر الشواهد الطبية العشوائية التي يسهل تزويرها والالتفاف عليها.
3.التفعيل الفعلي لنسب التشغيل القانونية: يجب ألا يظل التوظيف المباشر حلاً دائماً في معزل عن القوانين، بل يجب أن يتكامل مع الإنزال الحقيقي والصارم لنسبة %7 في القطاع العام و%5 في القطاع الخاص، مع تكييف المناصب والتخصصات لتلائم كافة فئات الإعاقة (خاصة البصرية منها) في المجالات العلمية والتقنية.
إن المباراة الموحدة للأشخاص في وضعية إعاقة، وعلى علاتها المشهودة، لم تعد تفي بالهدف المنشود، بل أصبحت مرادفاً لإعادة إنتاج الإقصاء وتأجيل الحلول. إن تحويل التزام الدولة من منطق “المباراة الإقصائية الشحيحة” إلى منطق “التوظيف المباشر المنصف” القائم على إثبات بطاقة الإعاقة الرسمية، ليس مجرد ترف إداري، بل هو واجب أخلاقي، إنساني، ودستوري استعجالي.
فهل ستستحضر الجهات الوصية واقع هؤلاء الخريجين المعطلين وما يجرونه من ذيول المعاناة القاسية تحت وطأة الزمن والسن؟ أم ستبقى الشواهد المزورة وسوء الحكامة الرقمية والإدارية تحصد آمال فئة لا تطلب سوى حقها العادل في العيش الكريم والاندماج الحقيقي؟
علامات استفهام كبرى تظل معلقة في انتظار قرارات حاسمة تقطع مع مغذيات اليأس والإحباط!