المغاربة بين حرارة الصيف ولهيب الأسعار.. من يستطيع تحمل كلفة العطلة؟

0

الانتفاضة / نورالهدى العيساوي

مع بداية كل صيف، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بصور الشواطئ والفنادق والرحلات السياحية، وتتصدر العروض الترويجية واجهات وكالات الأسفار والمنصات الإلكترونية، في مشهد يوحي بأن العطلة الصيفية متاحة للجميع. غير أن الواقع الذي تعيشه آلاف الأسر المغربية مختلف تماما؛ فخلف تلك الصور البراقة توجد فئة واسعة من المواطنين باتت تنظر إلى العطلة باعتبارها رفاهية بعيدة المنال، بعدما حولها الغلاء المتصاعد إلى حلم يصعب تحقيقه.

ففي الوقت الذي ترتفع فيه درجات الحرارة بشكل قياسي، ترتفع معها أيضا أسعار كل ما يرتبط بالعطلة. النقل يصبح أكثر كلفة، وأسعار الفنادق والشقق المعدة للكراء تقفز إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تلتهب أثمنة المطاعم والمقاهي والأنشطة الترفيهية، وكأن الموسم الصيفي أصبح مناسبة سنوية لمضاعفة الأرباح على حساب جيوب المواطنين.

ولم يعد الأمر يقتصر على الوجهات السياحية المعروفة، بل امتد إلى العديد من المدن والشواطئ التي كانت تستقطب الأسر ذات الدخل المحدود. فشقة متواضعة كانت تُكرى بثمن معقول خلال باقي أشهر السنة، تتحول في الصيف إلى سلعة باهظة الثمن، بينما يجد المواطن نفسه أمام خيارات محدودة: إما تحمل التكاليف المرتفعة، أو التخلي عن فكرة العطلة بالكامل.

وتزداد المفارقة حدة عندما يتعلق الأمر بالسياحة الداخلية، التي يفترض أن تكون متنفسا للمغاربة قبل غيرهم. فكيف يمكن الحديث عن تشجيع المواطن على اكتشاف بلده، بينما يجد نفسه عاجزا عن تحمل تكاليف بضعة أيام خارج مدينته؟ وكيف يمكن الترويج للسياحة الوطنية في وقت أصبحت فيه بعض الوجهات أقرب إلى متناول السائح الأجنبي منها إلى المواطن المغربي؟

ويؤكد كثير من المواطنين أن التخطيط للعطلة أصبح يشبه إعداد ميزانية مشروع استثماري أكثر من كونه ترتيبا لأيام من الراحة والاستجمام. فالأسر تضطر إلى احتساب أدق التفاصيل، من مصاريف الوقود أو تذاكر السفر إلى تكاليف الإقامة والطعام والترفيه، لتكتشف في النهاية أن المبلغ المطلوب يتجاوز إمكانياتها بكثير.

هذا الواقع دفع العديد من العائلات إلى تغيير عاداتها الصيفية بشكل جذري. فهناك من اختار تقليص مدة العطلة إلى يوم أو يومين فقط، وهناك من استبدل السفر البعيد بزيارات قصيرة للأقارب أو للشواطئ القريبة، فيما فضلت أسر أخرى البقاء في منازلها، ليس اقتناعا بذلك، وإنما عجزا عن مواجهة موجة الأسعار الملتهبة.

الأكثر إثارة للقلق أن العطلة الصيفية لم تعد مجرد فترة للترفيه، بل أصبحت حاجة اجتماعية ونفسية ضرورية في ظل ضغوط الحياة اليومية. فبعد أشهر طويلة من العمل والدراسة والالتزامات المعيشية، يحتاج الأفراد إلى فسحة للراحة وتجديد النشاط. غير أن الغلاء يحرم شريحة واسعة من هذا الحق، ويجعل الاستجمام امتيازا يقتصر على القادرين فقط.

ويطرح هذا الوضع تساؤلات ملحة حول حدود الارتفاع الموسمي للأسعار، ومدى احترام بعض الفاعلين في القطاع السياحي لمبدأ التوازن بين الربح المعقول والحفاظ على حق المواطنين في الاستفادة من مرافق بلادهم. كما يثير نقاشا أوسع حول القدرة الشرائية التي تواصل التآكل تحت ضغط تكاليف المعيشة المتزايدة، في وقت لم تعد فيه الزيادات في الدخل قادرة على مواكبة نسق ارتفاع الأسعار.

اليوم، لم تعد معاناة الأسر المغربية تقتصر على توفير مستلزمات العيش اليومية، بل امتدت إلى أبسط مظاهر الحياة التي كانت تمنحها متنفسا مؤقتا من أعباء السنة. وبين صور المنتجعات الفاخرة والإعلانات المبهرة من جهة، وواقع الأسر التي تحسب مصاريفها درهما بدرهم من جهة أخرى، تتجسد فجوة اجتماعية آخذة في الاتساع.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ليس أين سيقضي المغاربة عطلتهم الصيفية، بل ما إذا كانوا قادرين أصلا على الحصول على عطلة. فحين يصبح السفر الداخلي حلما، وتتحول بضعة أيام من الراحة إلى عبء مالي ثقيل، فإن الأمر يتجاوز مجرد ارتفاع موسمي للأسعار ليصبح مؤشرا على تحديات اجتماعية واقتصادية تستدعي وقفة حقيقية، حتى لا تتحول العطلة الصيفية من حق مشروع إلى امتياز لا يستفيد منه إلا القليل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.