متى نتحرر؟

الانتفاضة // سعيد حجي 

متى نتحرر من خجل البكاء، من إحساس الذنب حين تفيض أعيننا، من تلك الرقابة الداخلية التي تعلمنا منذ الطفولة أن الدموع نقص، أن النشيج عيب، أن الانهيار ضعف لا يليق بالناجين. ثقافتنا هجّنت مشاعرنا، روّضت أحزاننا، وأدخلتنا في مساومات مع ذواتنا، حتى أصبحنا نبتلع الانكسار خشية أن يُرى…

حين نقف على حافة الانهيار ونُجبر أنفسنا على الصمود، فنحن لا نمارس الشجاعة، بل نمارس التعذيب الذاتي. نكبت مشاعرنا لأننا تربينا على أن الرجل لا يبكي، وأن المرأة التي تبكي أمام طفلها تكسر صورته عن الحماية. لكننا لم نتعلم أن كتمان الألم يخلق شرخا داخليا أعمق من أي نحيب. فالنفس التي لا تتهوى بالدمع، تتآكل، تتفسخ بصمت، تذبل كزهرة منسية خلف الزجاج…

كم من رجل جفّت روحه لا لأن الحياة أقسى من أن تحتمل، بل لأنه لم يسمح لدموعه أن تكون أداة تطهير. كم من امرأة تشقق قلبها لأنها قررت أن تظل صلبة كالجدار، فصارت الجدران كلها تنهار فيها. من أقسى أشكال الاغتراب أن تُجبر نفسك على ارتداء قناع القوة في عزّ الحاجة إلى الانكسار. أن ترمم انهدامك بالإنكار، أن تبتسم لأنك تخجل من الحزن…

الدموع ليست استسلاما، الدموع شكل راق من الانتصار على الانهيار الكامل، هي فعل بيولوجي ونفسي وروحي. هي ما يبقينا بشرا، هي ما يتيح لتجربة الوجود أن تكون محتملة. حين تبكيك الخسارة، فأنت لست ضعيفا، أنت فقط تنتمي لنسيج هذا الكوكب الذي خُلق من التراب والماء، من الألم والحب، من الولادة والفقد…

الرجل الذي يبكي لا يفقد رجولته، بل يسترد آدميته. والمرأة التي تبكي أمام ابنها ، تريه أن الحزن لا يقل سموا عن الفرح. في كل حضارات الوعي، البكاء احتفاء داخلي بلحظة صدق مع الذات. لا أحد ينهار حين يبكي، الانهيار يحدث حين يجف الداخل تماما. حين لا تعود تملك قدرة على الانفعال، على الاستجابة، على أن تقول “تعبت” دون اعتذار…

في رواية “الطاعون” لألبير كامو، لا يسقط الإنسان حين يمرض أو يخسر، بل حين يتعود ألا يشعر. وهذا بالضبط ما نفعله كلما قمعنا دمعا كان بوسعه أن يصلح الداخل، أن يُحدث مساحة تهوية، أن يُخرج ذلك الضيق الذي لا يقال…

البكاء طريقة لاستعادة التوازن، لطرد الأثقال التي لا نعرف كيف نعبّر عنها. الوجع لا يطلب اللغة، إنه يطلب الانفلات. كل وسادة تتمنى لو تسمع صوتك، كل ليل يتساءل لماذا تقتل حزن اليوم بانتظار غد ربما لا يجيء. كل ذكرى ثقيلة تحتاج أن تخرج من قفص الحلق إلى عتبة الدمع…

البكاء في لحظة صدق أعمق من كل خطب الحكمة. لا شيء يشفي الذات مثل دمعة حقيقية. لذلك، ابك حين يلزمك الأمر. ابك حين يختنق الداخل. ابكِ دون أن تبرر. فثمة أشياء لا تفهمها اللغة، لكن تفهمها العين حين تفيض…

لا تترك حزنك يتكلس، لا تدفنه داخل عضلة القلب، لا تراه ضعفا بل ضرورة. كما يحتاج الجسد إلى العرق ليبرّد حرارته، تحتاج الروح إلى البكاء كي تستعيد توازنها…

كما بكى محمد صل الله عليه وسلم ، كما بكى يعقوب، كما بكى الانبياء في صمت المدن القديمة. وكما كتب أنطونيو تابوكي في روايته “مقطوعة لدرجة منفردة”: “في الليل، البكاء لا يحتاج إلى شهود، يكفي أنه يخفف القلب من حمله قليلا”.

كل ما تحتاجه أحيانا، حضن داخلي يسمح لدمعتك أن تمر دون مساءلة، أن تقول لك: أنت لا تزال إنسانا.

التعليقات مغلقة.