الانتفاضة // عبد الصمد بن الشريف
منذ يوم الجمعة وانا في الحسيمة والنواحي. ونظرا لازدحام برنامج المناسبة التي سافر ت من أجلها لم تسمح لي الظروف بمواكبة عدد من الأحداث، والوطنية بشكل خاص. لكن كأي مواطن مغربي ،آلمني كثيرا ماوقع في مدينة آسفي. اطلعت على عدد من الفيديوهات الصادمة والموجعة. والمقالات والتدوينات التي نفذت إلى عمق الأشياء، وتوقفت عند فداحة الاختلالات، و هول المأساة الناجمة عن السيول القوية والجارفة لوادي الشعبة، الذي أودى بحياة عدد من المواطنين البسطاء. وخلف مصابين حالات بعضهم حرجة.
و قضى على مصادر دخل أسر كثيرة
ليس هناك شك ،في أن الأمطار التي هطلت على آسفي وغيرها من مناطق المغرب شمالا وجنوبا غربا وشرقا. هي مصدر سعادة وارتياح وفرح لكل المغاربة. كما أن الثلوج التي همت عددا من المرتفعات في الأطلس والريف و مناطق أخرى ورغم شدة البرد والشروط الصعبة التي تعيش فيها الساكنة هناك، فإنها مع ذلك بثت شعورا بالطمأنينة والسعادة أيضا. مايعني أن آفة الجفاف التي قضت مضاجع الجميع، وأرقت المسؤولين وخلقت قلقا لدى الفلاحين صغارا ومتوسطين وكبارا، لم تعد تشكل تحديا وخطرا على الأمن المائي والغذائي.
ما أريد قوله في هذا السياق بعد وقوع عدد من المآسي والكوارث، هو أن المناخ الاستثنائي وأحوال الطقس غير المتوقعة والأمطار الطوفانية والزخات المطرية والرياح القوية والتساقطات الثلجية .عوامل وظواهر لايمكن أن تلصق بها تهم جنائية أو جنح. ولا يمكن أن نحملها مسؤولية جموح أودية ممتلئة عن آخرها ماء وحجرا وترابا وأوحالا ،وهي تزحف هادرة، وهي تتقدم أماما وتشق طريقها بإصرار صوب قلب مدينة ، لتتلف وتجرف كل ماوجدته في مجراها .بل ولتعاند السقوف والجدران العالية وتوقع خسائر معتبرة في الأرواح والممتلكات.
النكبة التي حلت بآسفي مدينة الفوسفاط والسمك والخزف والصناعة الكيماوية. ومدينة البؤس الاجتماعي والخصاص وترهل البنيات التحتية وتقادم التجهيزات وسيادة البطالة واليأس ومشاعر التذمر وغياب دينامية صناعية حقيقية و عرض سياحي جذاب وتفشي الكآبة الثقافية والوجوم والقلق الجماعي .وجمالية المعمار وعقلانية التخطيط وذكاء الهندسة . أقول هذه النكبة هي صوت الضمير الذي تولت الطبيعة نحته والذي جاء ليصدع بالحق، وليعري واقعا مخزيا وسياسات مفلسة واختيارات عقيمة.وليكشف أن ما حصل ليس وليد اليوم بل هو نتيجة تراكمات ومخلفات لحكومات تعاقبت على هذا الوطن. ومؤسسات محلية منتخبة ونخب حزبية في المدينة المنكوبة ،انفصلت عن الواقع والوقائع، ومسحت التاريخ من ذاكرتها. لكي تشعر بالارتياح والسعادة الاجتماعية ونخب ثقافية وأكاديمية وجدت نفسها منشغلة بذاتها وهمومها ومبعدة عن صناعة القرار المحلي. استسمح الصديق المبدع الشاعر والروائي والإعلامي ياسين عدنان الاستئناس بفقرة من تدوينة نشرها عن نكبة آسفي “أحسن أن هذه المدينة متخلى عنها. حاضرة عريقة ظلمها الجميع:مسؤولوها، منتخبوها وأبناؤها”
ومادونه ووثقه الفقيه الكانوني العبدي، مؤرخ آسفي بخصوص وادي الشعبة. يمكن اعتباره وثيقة تاريخية كان من المفروض أن تستغل وتستثمر في تهيئة المدينة وإعادة هيكلتها وحمايتها من من الكوارث الطبيعيه. فماقيمة التاريخ إذا لم تنفخ فيه الروح. فقد كتب الفقيه الكانوني قائلا:تشهد مدينة آسفي معاناة طويلة مع “واد الشعبة”، الذي أغرق المدينة في مناسبات عدة.فقد شهدت المدينة سيولاً مدمرة سنة 1650 وسنة 1791، حين كان الناس نياماً، فانهارت البيوت والمحلات، مخلفة دماراً واسعاً. وفي سنة 1927، دمرت السيول سوق الفخار والمسجد والزاوية الناصرية، وأودت بحياة أكثر من مئة شخص”
مايمكن استنتاجه من شهادة المؤرخ الكانوني، هو أن ما عاشته آسفي المدينة التي بكت طويلا وذرفت الأمطار الغزيرة الأحد الماضي، تكرر عبر فترات تاريخية. وكان من الأجدر اتخاذ إجراءات استباقية منذ زمان. لتفادي المآسي الإنسانية.
إن ما شهدته آسفي المدينة العمالية التي قدمت تضحيات جسيمة لمواجهة المستعمر وكل أشكال الاستبداد والقمع والحيف بكل أشكاله .ليس فقط سببا لمساءلة الحكومة والمسؤولين على المستوى المحلي. وما تم ارتكابه في حقها من جرائم عندما تم اختزالها في تجمع سكني وفي مجموعة من الإدارات حيث تتضخم البيرواقطية وتغيب جودة الخدمات وفعالية المؤسسات . إن ماوقع يسائل الجميع بما في ذلك النخب المحلية بكل أنواعها. فما جدوى الانتخابات وماقيمة هذا الاستحقاق إذا لم تكن هناك نخب حزبية وغير حزبية ملتزمة ومسؤولة ومبادرة ومنخرطة في شتى الديناميات والأوراش ؟ إن جزءا كبيرا من المآسي الطبيعة والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية والرياضية هو من صنع فاعلين ومسؤولين. والحكومات التي تنشغل بتجميل وجهها وتسويق حصيلتها والرفع من أسهم مكوناتها في بورصة الانتخابات. وتعتمد على صحافةومليشيات التشهير والتضليل والتعتيم ونشر المعطيات غير الصحيحة .وتصفير أخطاء وأعطاب ومساوىء من يدفعون لها ويضمنون استمرارها. بهذا المعنى فإن هذه الحكومات لايمكن أن تحظى بالمصداقية والثقة .
كما أن الدولة التي تعتبر تقديم المساعدة للقاطنينن في قمم الجبال وإلى المحتاجين والفقراء المطحونين الموزعين بشكل ديمقراطي في مختلف ربوع الوطن. وفك العزلة عن دواوير تحاصرها الثلوج ويفتك بها البرد. وتنظيم قوافل طبية .لايجب أن يقدم على أساس أنه منة وصدقة ورحمة من طرف دولة لها قلب رهيف و عاطفة تسكنها مشاعر رقيقة. بل هو أحد واجباتها الأساسية الملقى عالى عاتقها.
أثار انتباهي في تغطية القنوات العمومية، لما رافق تقلبات الطقس من أمطار قوية وتساقطات ثلجية كثيفة، وارتفاع أمواج البحر وانقطاع عدد من الطرق . التركيز على ممثلي السلطات و مختلف المصالح الإدارية. وإبراز الجهود المثالية التي يقومون بها وأخذ تصريحات منهم. وكأن الأولوية في التغطية ،هي تبرئة ساحة المسؤولين ،وإقناع المواطنين بأن هؤلاء ينصتون إلى مشاكلهم، وهم رهن إشارتهم في الشدة والرخاء.
خلال برنامج في إحدى الإذاعات الجهوية أمس الثلاثاء وأنا في الطريق من الحسيمة إلى الرباط سمعت فاعلا جمعويا يقول بكل إعجاب واندهاش “السيدالوالي جازاه الله. مشى برجلو للسوق. طبعا لم يتوقف عن مدح الوالي وإغداق صفات كثيرة عليه بما في ذلك صفةالتواضع .
الماء هو نشوتنا الطبيعية، شرابنا الحلال وبهجتنا الكيميائية. نعانقه بحرارة حتى نشم رائحته المفارقة. ونمنح الحواس فرصة الاستماع إلى أنينه الأزلي، والتحاور مع إيقاعاته المترعة بالإشراقات والتراجيع ،التي تتجمهر في أحيازها ،قوافل السفر باتجاه الحضن الأمومي المتجذر في جغرافية القلب والذاكرة.
للماء شكل الرحم ودلالة الحياة. فعندما يغيب أو ينعدم، تنتصب جحافل الخطورة ،معززة بإمكانيات إجهازها على نضارة الوجود، وإلغاء ملامح العيش في كنف التوازن. وفي المقابل، الزج بالكائنات، في غياهب الاندحار والتخبط المفضي ، إلى انفصال قاس عن شجرة الكينونة.
وللماء أيضا عمقه الإنساني، وإحالاته السياسية والإستراتيجية وأفقه الإبداعي، وخلفيته الأسطورية. وغير ذلك من التفريعات ،التي يمكن تشييدها بخصوص الشبكة المتداخلة لوظائف الماء التي لا تحصر.
ثمة علاقة غورية تجمع عبر فسيفسائها ،بين مكونات الجسد و الأرض وحكمة الماء. علاقة نجهل بدايتها الملتبسة. بيد أننا نعلم أهميتها الحاسمةالكامنة أساسا، في تطوير وصقل موجبات انخراط الجسد، في مهرجان ملحمي يشده إلى نواته الأنطولوجية، ويبث في نياطه ،تراتيل الإنشاد المخدر لصلوات الجماع والتلاقح، وتأمين استمرارية النسل والزرع. ولربما يكون هذا بالذات، هو الدافع الجوهري، الذي هيج أجسادنا منذ انبجاسها من عتمة الرحم، لكي تلتمس دوما لذة الانغراس في أحشاء الماء،لتتحسس فرحتها، وتعقل مشاركتها في ضبط وتنظيم سير الحياة، بعيدا عن رهابات الفوضى التي يمكن أن تنجم عن موت الماء ،أو انسحاقه لأسباب تستعصي على التعيين.
تسيجنا مشاعر جامحة، عندما يصفعنا المطر مغازلا إيانا، زارعا في أعماقنا الهاجعة، نوبات متواصلة من الانتعاش السري.وتستبد بنا فورة طارئة، كلما استرخت عيوننا على مساحة مائية، تعزف صمتها أو أصداءها في نهر أو غدير، تمتد على ضفافه علامات موغلة في الإيحاء والبهاء.
التعليقات مغلقة.