سعيد حجي يكتب..فتنة كرة القدم

الانتفاضة // سعيد حجي

حين كتب حنا مينة ذات اعتصار في قلبه ، عبارته: “الطائفية ليست اختيارا بين قلوبنا، بل وراثة ثقيلة ما زلنا نركض خلفها كأنها وطن” . كان يشير إلى خلل عميق في فهمنا لهويتنا كعرب، إلى أننا لا نعيش طوائف ، بل نُصنع بها، نُربّى داخل أسوارها، نكرر خطابها، ونخاف الخروج عنها كأننا نرتكب خيانة كبرى…

وهنا لا يكون الانقسام فقط خلاف في الرأي، إنما يتجاوز ذلك و يتحوّل إلى قطيعة شعورية، إلى حواجز خفية تزرعها اللغة، والتاريخ، والأمثال، وتُحرس بالذاكرة المليئة بالخذلان.

في كأس العرب مثلا الذي يقام حاليا في دولة قطر ، ظهرت هذه الانقسامات بوضوح، فبدل أن توحّد كرة القدم بين الشعوب، فتحت جراحا لم تندمل، تحوّلت المباريات إلى مساحة لاستعراض الشتائم بدل المهارات، إلى ساحة ينفجر فيها المكبوت من الأحقاد بدل الانفعالات الرياضية العادية…

السوري و الأردني يتبادلان الشتائم ، المغربي و الجزائري والسعودي حولوا اللعبة الى ساحة حرب كلامية ، التونسي والسوري ، والمصري يتراشقون العنف اللفظي حد النزف، دول شمال افريقيا ودول آسيا في صراع تنابز …وكأن اللعبة لم تعد تنافسا شريفا، بل اختبارا لمن يكره الآخر أكثر…

هنا تظهر الطائفية كعدسة مقلوبة ترى من خلالها الشعوب بعضها البعض بحجم مشوّه. فالعقل الذي نشأ على الخوف من المختلف، لا يمكن أن يصفّق له، ولا يمكن أن يراه شريكا في المعنى أو نديّا في الفرح…

وهكذا تصبح كل لحظة مشتركة مهددة بالانفجار، لأن ما بني على الحذر لا ينمو عليه الوئام.

نجيب محفوظ كتب ذات مرة أن الشعوب لا تموت حين تسقط حكوماتها، بل حين تقتنع أن الاختلاف عداوة. وهو يقصد أن أكبر موت جماعي هو حين نحذف الإنسان من داخل الموقف، حين نحصر الآخر في موقفه السياسي أو طائفته أو أصله، فننسى أنه مثلنا تماما: يحمل قلبا، وينهكه الخوف، ويبحث عن معنى….

الاختلاف لا يعني أن نتنازع، بل أن نكتشف أنفسنا من خلال الآخر، أن نصبح أوسع، أرحب، أكثر فهما، لا أكثر عنفا.

لكننا نعيش زمنا فيه أصبح الخلاف مادة للترفيه، والحقد برنامجا يوميا، والانتماء يقاس بعدد الشتائم التي نوجهها للآخر.

الكرة هنا مرآة.

مرآة صادقة كشفت هشاشة نسيجنا العربي،

مرآة جعلتنا نرى كم هو سهل أن تتحول الفرحة إلى صراع، وأن يتحول الهتاف إلى كراهية.

الانقسام العربي اليوم ليس مسألة حدود أو حكومات، بل مسألة ذهنية جماعية تحتاج إلى إعادة تعليم، إلى خطاب جديد يجعل من الانتماء العربي مسؤولية وجدانية، لا بطاقة تعريف فارغة. أن تكون عربيا لا يعني أن ترفض الآخر العربي،

بل أن تفهمه، أن تدافع عنه حتى وأنت تختلف معه، أن تؤمن أن وحدتنا ليست شعارا سياسيا، بل ضرورة وجودية…

لأن ما يهددنا اليوم ليس الخصم الخارجي، بل خصامنا الداخلي، كأن كل واحد فينا يقف على ضفة النهر وحيدا،

ينتظر أن يغرق الآخر ليثبت أنه كان على حق…

لكن الحقيقة أن الغرق مشترك، وأن النهر لا يفرّق بين من سقط من الشرق أو من الغرب. نحن جميعا نعيش في قارب واحد، فإما أن نتعلم كيف نحمل بعضنا،أو نمضي جميعا نحو الغرق، ونحن نصفق له…

التعليقات مغلقة.