سأقول كلاما قد لا يعجب كثيرين لكني مقتنع به

الانتفاضة // الدكتور // محمد الطاهيري

في خضمّ المأساة التي يعيشها أهلنا في غزة من حصار وتجويع وقتل وتهجير، ترتفع الأصوات وتنطلق المبادرات في شكل مظاهرات، واعتصامات، وحملات ضغط إلكترونية، وأشكال احتجاجية تعبّر عن وجدان الأمة ورفضها لهذا الظلم، وهي بلا شك مظاهر حضارية للتضامن، تعكس بقايا الحياة في جسد هذه الأمة، لكنها بكل صدق ليست كافية.
إن المظاهرات والاحتجاجات يا سادتي هي أشبه ما تكون بالمسكّنات التي تُعطى لمريض تهشّمت عظامه، فيفتح عينيه للحظة ثم لا يلبث أن يغيب في غيبوبته من جديد.
المسكّنات لا تعالج الكسور، وإن كانت تبعث في النفس شيئًا من الراحة المؤقتة والانتصار الرمزي، لأن الألم أقوى وأعظم، لذلك لابد من ترميم العظام، وإعادة بناء الجسد من داخله.
دعوني أوضح فكرتي أكثر، لنفترض – لا قدّر الله – أن العدو استطاع أن يفرض مشروعه الاستيطاني في غزة، وأن يقضي على كل مقاومة فيها!
هل ستنفعنا في رأيكم حينها الشعارات؟
هل ستعيد لنا الهتافات ما سُرق؟
هل ستمنحنا العودة إلى “الهاشتاغات” وغيرها من أشكالنا الاحتجاجية الأمل من جديد؟
الجواب، مهما كان مؤلمًا، هو: لن ينفع إلا ما بنيناه من إنسان قادر على قلب المعادلات ولو بعد حين، ذلك الانسان الذي قدم لنا القرآن نماذج له في “مؤمن آل فرعون” وفي “غلام أصحاب الأخذوذ” وفي غيرهما، ذلك الانسان الذي شكله القرآن وصاغه رسول الله صلى الله عليه وسلم قلبا وقالبا..
نحتاج يا أحبتي إلى هذا الإنسان الذي تربى على قيم المقاومة والصمود، ليس فقط بمفهوم السلاح، بل بالمفهوم الأوسع الذي يشمل: تقديم ما عند الله، وإيثار الآخرة، وقوة الإيمان، والثبات، والوعي، والعلم، والقيادة، والتنظيم، والتخطيط، والنظر الاستراتيجي البعيد المدى…
نحتاج إنسانا كالذي قدمته لنا المقاومة وهي تُخرج أفواجا من حفظة القرآن و تصنع العقول و تحفر الانفاق وتعد عدتها للطوفان..
الاحتلال يا أحبتي الكرام استطاع بهذه العقلية العملية أن يحرجنا أكبر الحرج، وفي ذلك رسالة لنا غير خافية، فمن كان يتخيل أنه سيستطيع أن يكسب حكامَ وحكومات دول بقدها وقديدها إلى صفه؟! من كان يتخيل أنه سيتوغل في مفاصل دولنا العربية والإسلامية ويفرض عليها أجنداته؟ من كان يتخيل أن وفودا عديدة ستزوره في عقر داره بينما إخواننا يقتلون ويجوعون ويهجرون…؟!
هل تعتقدون يا كرام أنه وصل إلى هذه النتائج دون عمل؟
لنكن صرحاء!
إننا بحاجة إلى مشروع حضاري مضاد، مشروع يبدأ من النفس، ومن البيت، والمدرسة، والمسجد، والإعلام، والجامعة، والشارع… مشروع يزرع في الإنسان وعيًا لا يخبو، ويصنع منه طوفانا إذا اندفع اجتث هذا الاحتلال الغاشم من جذوره.
المظاهرات مطلوبة، والاحتجاج واجب، والدعاء فريضة، لكن الأوجب الأعمق والأبقى هو: أن نبني الإنسان القادر على المضيّ في الطريق حتى النهاية مهما طال الزمن واشتد الألم.
إن غزة وفلسطين والأمة لا يحتاجون فقط إلى من يصرخ، بل يحتاجون إلى من يُعدّ نفسه للفتح الأكبر.
فيا أحبة، يا”بعثة التجديد المقبلة” هلموا بنا إلى بناء الانسان بالقرآن، فما لم نفعل ونعجل بذلك فإننا نطيل أزمتنا أكثر وأكثر.
ولله الأمر كله.

التعليقات مغلقة.