الانتفاضة // لبنى الفلاح
حتما وأنتم تقرأون العنوان سأجد بعضكم يردد بحماسٍ مقاطع هذه الأغنية الشبابية «مهبول أنا» التي اعتلت التْرِنْدْ المغربي لأيامٍ. لا عليك عزيزي القارئ، فقط ركِّز معي بُرهة، لنناقش أمورا غاية في الأهمية.
زميل صحفي استفسر في مجموعة خاصة بالصحفيين لتبادل الأخبار والمعلومات والأرقام الهاتفية للمسؤولين، (سأل) عبر تطبيق «الواتساب» سؤالا: أنتم كصحفيين ماذا تنتظرون من حكومة أخنوش، هل تحرير فلسطين أم حل مشاكل المغاربة؟ وإن كان السؤال فجٌّ والجواب لابد منه فشخصيا لا أنتظر شيئا، فكل ما سيقع بالوقت المتبقي من هذه الولاية الجاثمة على أنفسنا، هو أنهم سيُحْكِمُون قبضة اللوبي الصهيوني في البلد وسَيَدْعَمُون الاحتلال الإسرائيلي أكثر فأكثر، كما سيُكرِّسُون لقوانين إضافية صالحة لزمانِهم ولوضعِهم لمزيد من الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية.
البروفايلات الجديدة التي عوَّضت البروفايلات المعدَّلة في الصورة الجماعية، أغلبهم جاءوا بدعمٍ من رئيس الحكومة قَدِموا من الهولدينغ الخاص به وبزوجته، ولعل موقع «الفايسبوك» يضجُّ بمعطياتٍ إضافيةٍ حول بروفايلات لحسن السعدي المعروف بشطْحة «مهبول أنا» كاتب الدولة لدى وزير السياحة مكلف بالصناع التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وأمين الطهراوي وزير الصحة والحماية الاجتماعية، ومحمد سعد برادة وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والبروفايل الأسوأ عمر احجيرة المعين ككاتب دولة لدى وزير الصناعة والتجارة مكلف بالتجارة الخارجية، والذي يُتابَع في قضية تتعلق بالفساد المالي وتبديد أموال عمومية تعود تفاصيلها إلى فترة ترؤسِّه لبلدية وجدة بين سنتيْ 2006 و2010، حيث اتُهم رفقة عدد من الموظفين بتبديد المال العام في صفقات خاصة بمجلس جماعة وجدة، والتي أُدِين على خلفيتِها استئنافيا خلال عام 2019 بالسجن لمدة سنتين، وها هي القضية مازالت في النقض. وبما أن ميزان القضاء مختل هذه السنوات، فقد زُجَّ في السجن تعسفا، بوزير حقوق الإنسان السابق، على خلفية نفس التهمة المنسوبة له انتقاما.
أغلب هذه البروفايلات أو على الأقل تلك القادمة من حزب التجمع الوطني للأحرار انتقلت من ضيعة صغرى إلى ضيعة كبرى؛ من إدارة هولدينغ رئيس الحكومة إلى الحكومة التي يترأسها صاحب الهولدينغ، ما جعل بعضنا يطرح سؤال: هل نحن أمام عملية اختطاف للدولة؟
الأكيد أنه كما قلت سابقا وفي ظل هذه الحكومة ذات المرجعية الرأسمالية المتوحشة، فإن الرئيس/ الباطرون (من البارطرونا) باعتباره المَالِكَ لوسائل الإنتاج المادي هو نفسه رجلُ السياسة الذي يحتكر مؤسسات التشريع داخل الدولة رغبة منه في إنتاجِ وصياغةِ وتعديل تِرسانة قانونية تخدم بالدرجة الأولى نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يديره، في إطار زواج المال بالسلطة أو زواج نمط الإنتاج الرأسمالي بمؤسسات التشريع خِدمة للوبيات الاقتصادية وفي نفس الوقت ضمانا لاستمرار الريع الاقتصادي والسياسي من داخل مؤسسات الدولة. وها هو اليوم وبعدما كان يحتكر قطاعات بعينها، أضحى بهذه الحكومة المُعَدَّلة يحتكر جميع القطاعات في الدولة، وبذلك تعزيز تحالف مجموعة من اللوبيات داخل مؤسسات الدولة همُّهم الوحيد ضمان استمرارية مصالِحهم الفردية من داخل هذه المؤسسات، في ظل استفادةٍ شبهِ منعدمة للجماهير من الثروة، الأمر الذي بات يكرس قَدْرًا من الغضب الشعبي؛ غضبٌ يمكن أن يتحول إلى شكلٍ من أشكالِ الفعلِ المباشرِ، سِيَمَا إذا كانت الدولة مُنْحازة أكثر إلى تِلك الأنْظِمة التي لا تتردد في استخدام القوة المُفْرِطة في التعامل مع الانتقادات الموجَّهة إليها سواء بالعنفِ أو بالاعتقالات.
عن طريق التحالف مع رجال الأعمال واستغلال نفوذهم السياسي (والأمني بالضرورة)، سيشرع أصحاب «البزنس» عبر ترتيب صفقات من شتى الأنواع تُدِرُ مداخيلَ طائِلة وتمكين شركاتهم من التوسع أكثر فأكثر كتلك التي ظهرت خلال العقدَيْن الأخيرَيْنِ في سوق المحروقات ولم تكن معروفة؛ ذات القدرة الهائلة على جمع الأموال ومحدودة المساهمة في خدمة الاقتصاد المحلي، فَضْلا عن تلك الناشطة في سُوقِ الأراضي والعَقَار الذي أصبح أشبه بِالبُورْصَة، وهي شركات غالبا ما تُضِرُ بالاقتصاد الوطني تَبَعًا لمساهمتها في رفع الأسعار.
إننا هنا أمام نوع رديء من الديمقراطية؛ لعبة الديمقراطية المُبَرْمَجَة التي تأخذ من الديمقراطية شكْلَها الخارجي من دون مضمونها الحقيقي المُرتبِط بالحرِّيات العامة والتداول على السلطة؛ هذه اللعبة أتاحت لرجال الأعمال أن يدخلوا ميدان السياسة عبر مجالس النواب والمستشارين والوزارات والمؤسسات العمومية السيادية وغير السيادية، لتتحول الديمقرطية إلى شكل من العبث الذي لا يَعُودُ على الناس سِوى بالمزيد من الإفقار وتراجعِ منسوبِ الحريات وزيادة القمع. ولا داعي للتذكير هنا بأن التجارب الديمقراطية تذكر فشل رجال المال والأعمال في السياسة في مقابل نجاح تجارب المحامين والصحفيين ورجال الاقتصاد والسوسيولوجيا والعسكريين.
ماذا سيقدم رجال المال والأعمال للدولة؟ وماذا قدموه للاقتصاد الوطني؟
عمليا، لم يُقدِّموا شيئا فقد فصَّلوا نِظامًا اقتصاديًا على مقاس لغة «البزنس» الذي يُفِيد قطاعاتٍ معيَّنة من أهلِ السلطةِ ورجالِ الأعمال، سيما أن الدول أخذت تنسحب تدريجيا من أداء مهامها في دعم الفقراء عبر دعم المواد الأساسية، واتجهت نحو نظام الخَوْصَصة في التعليم والصِحة والشركات العمومية.
المعارضة ووسائل الإعلام أيضا تَحَوَّلاَ إلى نخبٍ ووسائطَ تتحكم فيها الثروة بتحالفٍ مع السلطة؛ بعدما بيَّن هذا النوع من المسؤولين أنهم أكثر قدرةً على استخدامِ المالِ في شِراء الذِمم وتحويلِ المُعارِضِين إلى تابِعين، حتى أصبحنا أمام حكومةٍ تملك الأغلبية والمعارضة في وقتٍ واحدٍ، ومن زَاغَ عن الطريق فهو اليوم بالسجن.
وأنا أَعُدُّ الذين مازالوا متواجدين في السجون سِيَمَا ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق ومحمد جلول الذي يخوض إضرابا مفتوحا عن الطعام، وغيرُهم من معتقلي حِراك الريف، إلى جانب النقيب محمد زيان، أتساءل إن كان لابد لهم لتفادي الاعتقال أن يؤدوا الرقصة الشهيرة على أغنية «مهبول أنا» أو أية أغنية أخرى، أم كان يجب أن يُمَثِّلُوا الهُبْلْ وألا تحرِّكُهُم وطنِيتهم ويطلبُوا المجد.
أليست من الوطنية ألا ينخرطوا في سلسلة التدجين التي نعيشها اليوم، وأن يمنع الشباب أنفسهم من أن يكونوا أصحاب أرصدة ضخمة في البنك، بدل أن يُضِيعُوا سنوات من العمرِ خلف القضبان؟ أن يعيش النقيب زيان حياة هنيئة وسط الخدم والحشم، وألا يقاسي من تماطل المسؤولين عن سجنه مع الأمراض التي تعددت وسط السجن؟
وأنا أستحضر اسم النقيب محمد زيان، استحضرت أيضا اليوم الذي حدَّدت فيه محكمة الاستئناف بالرباط جلسة محاكمته استئنافيا، يوم الأربعاء 30 أكتوبر الجاري الذي يتزامن و«زيارة الدولة» التي يقوم بها الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» إلى المغرب التي ستبتدئ يوم الإثنين 28 منه. أمر آخر غريب يتعلق بأخذ عَيِّنَة إضافية من بول النقيب زيان من طرف إدارة سجن «العرجات 1» حيث يمضي عقوبته السجنية، في الوقت الذي كان يجب نقله إلى مستشفى ابن سينا لمعرفة نتيجة فحص تحليلة سابقة وما إذا كان سيخضع لعملية جراحية لاستئصال الورم الحميد من متانته البولية أم لا، وطبعا يتزامن هذا كله مع جلسة محاكمته وهو أمر من الغرابة بما كان.
ما يجري ويدور يحيل على ما خَطَّهُ المعتقل السياسي بخط يده في مراسلةٍ موجهةٍ إلى هيْئَةِ دِفاعِه، والتي جاء في جزءٍ منها: «من حقي أن أعرف ما بِي وأن أتعالج، فإذا كانت الوسائل المحلية لا تُمَكن من معرفة المرض الذي أعاني من أجله، فمن الواجب على إدارى السجون أن تسمح لي بالوصول إلى الغاية.. بل أكثر من هذا، إن علاج سجين واجب على عاتق السلطة العمومية. واجب قانوني لكن الاستمرار في هذه الحالة يجوز اعتباره إهمال عمدي يؤدي إلى الموت وهو نوع من أنواع القتل العمدي مع سبْقِ الإصرار..»، لم تنتهِ رسالة النقيب زيان هنا، فمُعاناته مع المرضِ التي لم تستطع المندوبية العامة لإدارة السجون ولا المسؤولون عن هذا الاعتقال مجتمعين إيجاد حلٍ لها، مازالت طويلة، خاصة في سن كسنه (82 سنة)، ومع أمراض: القلب والتهاب المفاصل الفقارية SPA والبوروستات والمتانة البولية. رسالة النقيب زيان ستُصبْح ورطةً لأُولِي الأمر إذا فِعلا تحوَّل الهَزْلُ إلى جَدٍّ وجاته المَنُون، كما ستصير رسالته شهادة بعد الوفاة خطَّهَا بيده وأخذت طريقها القانونية إلى يد دفاعه.
ربما قد أطَلْتُ عزيزي القارئ، تحمل قليلاً، ودعني أوجه لك نصيحةً لتنقذ نفسك مما نعيشه: اختر أغنية «تْرِنْدْ» وارقص تمامًا كرقصةِ كاتبِ الدولة أمام رئيسه وأمام عدسات أصحاب الحل والعقد، فأكيد ستدخل مربع السلطة من أوسع أبوابها. بدأت الرقص سريعا، مهلاً ليس كذلك؛ ارفع أكتافه ثم اخفضها إلى أسفل، كرِّر الحركة سريعا بتناسق وانسجام مع إيقاع الموسيقى، صفق بيديك، التف حول نفسك مرات ومرات.. أكمل هكذا أمر جيد.
التعليقات مغلقة.