الانتفاضة/ الإعلامية هند جوهري
تضعنا الطريقة التي تُتداول بها بعض التوصيات والمستجدات الدولية ذات الأبعاد الحساسة في الفضاء الرقمي المتسارع أمام أسئلة إعلامية وأخلاقية عميقة، تُعيد إلى الواجهة النقاش حول حدود المسؤولية المهنية ومدى التزام النشر الصحفي بأخلاقيات التأطير والتنوير، فالسرعة فائقة التردد في نقل الأخبار عبر المنصات الإجتماعية باتت تفرض تحدياً حقيقياً أمام جودة الرسالة الإعلامية، حيث أضحت طريقة تقديم المعلومة وصياغتها وتأطيرها الشكلي أشد خطورة وأعمق تأثيراً في النفسية الجماعية للجمهور من مضمون المعطى نفسه، مما يضع نبل الرسالة الصحفية على محك التمحيص والنقد المنهجي.
هذا وقد تجلى هذا الإشكال بوضوح في منشور جرى تداوله مؤخراً على المنصات الرقمية، تضمن عبارة مقتضبة جاء فيها:
“🚨 المفوضية الأوروبية توصي مجدداًبالاحتفاظ بمستلزمات أساسية (ماء،طعام،أدوية،مصباح،راديو..) تكفي 72 ساعةعلىالأقل.»
من حيث المبدأ والظاهر، فإن نقل التوصيات الصادرة عن الهيئات والمؤسسات الدولية يندرج ضمن حق المواطن في المعرفة والاطلاع على المستجدات العامة، غير أن طرح مثل هذه المعطيات عارية من سياقها الموضوعي، ومرفوقة برموز التنبيه والمحاذير الحادة من قبيل الرمز (🚨)، ينطوي على انزلاق الممارسة إلى نطاق التثوير والتهويل، إذ يتم اجتزاء المعلومة المؤسساتية واقتطاعها من إطارها التنظيمي الطبيعي لتغدو في عين المتلقي وكأنها نذير شؤم أو بيان طوارئ عاجل يسبق وقوع كارثة محققة.
فعند خضوع هذا المنشور للتحليل النقدي وتفكيك خلفياته الميدانية، يتضح جلياً أن التوصية الصادرة عن المفوضية الأوروبية بشأن الاحتفاظ بمؤونة طوارئ تكفي لـ72 ساعة لا تشكل إطلاقاً مؤشراً أو قرينة على حرب وشيكة أو صدام مسنح المحتدم. فهذه التوجيهات تندرج في الأصل ضمن الاستراتيجيات المدنية الشائعة والمعمول بها في معظم الدول المتقدمة بهدف تحسين جاهزية الأفراد لمواجهة مختلف الأزمات المفاجئة، بدءاً من الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل والإضطرابات المناخية، وصولاً إلى الإنقطاعات التقنية المفاجئة في شبكات الطاقة والماء والإتصالات، أو التهديدات السيبرانية التي قد تمس البنيات التحتية، والأهم من ذلك كله، أن هذه الخطط ليست بالوليدة أو الطارئة، بل هي توجيهات استراتيجية ممتدة سبق الإعلان عنها والتذكير بها رسمياً ضمن أطر الجاهزية الأوروبية منذ مارس 2025، مما يعني أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في فعل النشر بحد ذاته، بل في تجريد المعلومة من بُعدها الزمني والمؤسساتي وإسقاط خلفياتها التوضيحية.
وتكتسب هذه الممارسات الرقمية خطورتها البالغة من كونها تأتي في ظل مناخ دولي يتسم بالاضطراب وتزايد حالة القلق العام لدى المتابعين بسبب التوترات الجيوسياسية المتصاعدة فحين يُقدم الخبر بصيغة مبتورة خالية من التحليل والتفسير، تتحول المعلومة الإدارية العادية إلى مادة دسمة للتأويلات الخاطئة وتغذية التكهنات وإشعال الشائعات ، وهنا تتجلى أزمة السبق الصحفي على حساب الأمانة العلمية والمهنية، حيث يُسهم التسرع غير المحسوب—عن قصد أو غير قصد—في تحويل الوسيلة الإعلامية من منصة لبناء الوعي وتأطير الفهم إلى أداة لإنتاج الفزع الاجتماعي وترويع الجمهور. فالصحافة الرصينة لا تقتصر على مجرد السرد السطحي لما قيل، بل ترتكز بالأساس على تفكيك المعطيات، وإيضاح دلالاتها الحقيقية، وإبراز حجمها الطبيعي دون زيادة أو نقصان.
إن المسؤولية الأخلاقية في زمن التدفق الرقمي لا تُقاس فقط بمدى صحة الخبر من الناحية الشكلية، بل بمدى وضوحه، وعمق شرحه، وبالأثر النفسي والانطباع الذي يتركه لدى المتلقي، ما يجعل احترام عقل القارئ يتطلب بالضرورة إرفاق المواد الحساسة بسياقها التاريخي الكامل لحماية المجتمع من الهلع الناجم عن سوء الفهم. وأمام هذا التحدي المتعاظم بين صحافة تنير العقول وأخرى تكتفي بإثارة الفضول، يطرح المشهد الإعلامي أسئلة ملحة حول مدى قدرة الضوابط المهنية على كبح جموح الإثارة في الفضاء الأزرق، وهل ما نعيشه اليوم هو أزمة في وفرة المعلومة أم في غياب السياق الكفيل بفك شفراتها؟ وتظل الإجابة المعلقة ترتبط بمدى وعي الناشر بأن الكلمة أمانة، وأن توفير المعرفة الحقيقية يقتضي تقديم الحقيقة كاملة غير مجزأة ولا معزولة عن بيئتها التي نبتت فيها.