من الصلب إلى المياه.. هل يعيد آندي بيرنهام بريطانيا إلى عصر التأميم؟

0

الانتفاضة/ مهدي الكريمي (متدرب)

في أولى الإشارات الاقتصادية الكبرى لحكومة رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، عاد ملف التأميم إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي في المملكة المتحدة، بعد إعادة شركة “بريتيش ستيل” إلى الملكية العامة، في خطوة اعتبرها كثيرون بداية لتحول أوسع في دور الدولة داخل الاقتصاد البريطاني.

القرار، الذي جاء لحماية آخر قدرة محلية على إنتاج الصلب الخام والحفاظ على آلاف الوظائف، أعاد إلى الأذهان الجدل القديم بين أنصار الخصخصة والمدافعين عن تدخل الدولة، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت شركات أخرى، خاصة في قطاعات المياه والنقل والخدمات العامة، ستكون الوجهة التالية.

بداية تحول اقتصادي

تولت الحكومة البريطانية السيطرة على شركة “بريتيش ستيل” بعد سنوات من الخسائر والمخاوف من توقف نشاطها، قبل أن يقر البرلمان تشريعاً يسمح بتأميم شركات الصلب لحماية الصناعات الإستراتيجية.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة لا تقتصر على إنقاذ شركة متعثرة، بل تعكس فلسفة اقتصادية يتبناها بيرنهام تقوم على منح الدولة دوراً أكبر في إدارة القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وكان رئيس الوزراء الجديد قد أكد، عقب دخوله مقر الحكومة في “10 داونينغ ستريت”، عزمه بناء اقتصاد جديد “تخضع فيه مقومات الحياة الأساسية لرقابة عامة أقوى”، في إشارة واضحة إلى رغبته في إعادة النظر في سياسات الخصخصة التي طُبقت منذ ثمانينيات القرن الماضي.

المياه والنقل في دائرة الاهتمام

ولا يبدو أن ملف الصلب سيكون المحطة الأخيرة في هذا المسار، إذ تشير تقارير اقتصادية إلى أن شركة “تيمز ووتر”، أكبر مزود للمياه في بريطانيا، قد تواجه التأميم إذا فشلت مفاوضات إنقاذها مع الدائنين والجهات التنظيمية، بعدما أثقلت الديون كاهل الشركة التي تخدم نحو 16 مليون شخص.

كما تتزايد التوقعات بشأن نقل بعض خدمات الحافلات المحلية إلى الملكية العامة، استناداً إلى التجربة التي طبقها بيرنهام عندما كان عمدة لمدينة مانشستر الكبرى، فيما تتحدث تقارير عن ضغوط داخل الحكومة لإعادة النظر في إدارة مؤسسات خدمية أخرى.

مراجعة لإرث تاتشر

لا يخفي بيرنهام انتقاده للنهج الاقتصادي الذي قادته رئيسة الوزراء الراحلة مارغريت تاتشر، معتبراً أن موجة الخصخصة الواسعة أسهمت في إضعاف البنية الصناعية وتعميق الفجوة الاقتصادية بين شمال إنجلترا وجنوبها.

ورغم ذلك، يحرص رئيس الوزراء البريطاني على طمأنة مجتمع الأعمال، مؤكداً أنه لا يسعى إلى مواجهة القطاع الخاص، بل إلى إقامة شراكة تحقق النمو وتحسن الخدمات العامة، في محاولة لتبديد المخاوف من عودة نموذج الدولة المسيطرة بالكامل على الاقتصاد.

معارضة وتحذيرات

في المقابل، تواجه هذه التوجهات انتقادات قوية من أحزاب اليمين، التي ترى أن توسيع الملكية العامة سيؤدي إلى زيادة الإنفاق الحكومي وارتفاع الدين العام، فضلاً عن تقليص جاذبية بريطانيا للاستثمارات.

ويحذر معارضو التأميم من أن العودة إلى إدارة الدولة لقطاعات واسعة قد تعيد البلاد إلى أزمات السبعينيات، عندما كانت الإضرابات المتكررة وضعف الإنتاجية من أبرز التحديات الاقتصادية.

كما تطالب قيادات حزب المحافظين الحكومة بالتركيز على دعم الاستثمار الخاص وخفض الضرائب بدلاً من توسيع دور الدولة في الاقتصاد.

معادلة صعبة

ورغم التأييد الشعبي المتزايد لفكرة استعادة السيطرة على شركات المياه والكهرباء والسكك الحديدية، بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع جودة الخدمات، فإن التحدي الأكبر أمام حكومة بيرنهام يتمثل في التمويل.

فإدارة الشركات المتعثرة تتطلب استثمارات ضخمة لإعادة هيكلتها وتطويرها، في وقت تعاني فيه المالية العامة البريطانية من ضغوط كبيرة، مع اقتراب الدين العام من ثلاثة تريليونات جنيه إسترليني.

وتشير التقديرات إلى أن إدارة شركة “بريتيش ستيل” وحدها تكلف الحكومة نحو مليون جنيه إسترليني يومياً، ما يثير تساؤلات حول قدرة الخزانة البريطانية على تحمل موجة جديدة من التأميم إذا توسعت لتشمل قطاعات أخرى.

بين الإنقاذ والعبء المالي

يرى خبراء الاقتصاد أن حكومة بيرنهام قد تتبنى نموذجاً يقوم على “التأميم الانتقائي”، بحيث تتدخل الدولة لإنقاذ الشركات الإستراتيجية أو المتعثرة، مع الإبقاء على دور فاعل للقطاع الخاص من خلال صيغ الملكية المشتركة، بهدف تحقيق التوازن بين حماية الخدمات الأساسية وتقليل العبء على الموازنة العامة.

  

وبينما يعتبر مؤيدو هذه السياسة أنها فرصة لإصلاح قطاعات حيوية فشلت الخصخصة في تطويرها، يرى معارضوها أنها قد تفتح الباب أمام زيادة الإنفاق الحكومي وتراجع ثقة المستثمرين.

وفي جميع الأحوال، تبدو بريطانيا مقبلة على مرحلة اقتصادية جديدة، قد تعيد رسم العلاقة بين الدولة والسوق لأول مرة منذ عقود، في اختبار حقيقي لقدرة حكومة آندي بيرنهام على تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستقرار المالي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.