نزيف الاستقالات يربك الاتحاد الدستوري بالحوز ويعجل بالبحث عن قيادة جديدة

0

الانتفاضة/ ابن الحوز

يعيش حزب الاتحاد الدستوري بإقليم الحوز مرحلة توصف بأنها من بين أكثر المراحل حساسية وتعقيدا منذ سنوات، في ظل التحولات التنظيمية والسياسية التي يشهدها الحزب محليا، والتي ألقت بظلالها على حضوره داخل الإقليم وعلى استعداداته للاستحقاقات التشريعية المقبلة. فبعد أن كان الحزب يعتمد على شبكة من المنتخبين والفاعلين المحليين لتثبيت موقعه في المشهد السياسي، وجد نفسه أمام واقع جديد عنوانه تراجع الحضور التنظيمي واتساع دائرة المغادرين نحو أحزاب منافسة، وهو ما فرض على قيادته البحث عن حلول سريعة لإعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة جزء من التوازن المفقود.

وتبرز أبرز مظاهر هذه الأزمة في الفراغ الذي بات يطبع قيادة اللائحة البرلمانية للحزب بإقليم الحوز، بعدما غادر عدد من الوجوه التي كانت تشكل ثقله الانتخابي والتنظيمي، سواء عبر الالتحاق بأحزاب أخرى أو من خلال الابتعاد عن العمل الحزبي داخل الاتحاد الدستوري. هذا الوضع جعل الحزب أمام تحد حقيقي يتمثل في إيجاد شخصية قادرة على قيادة المرحلة المقبلة، خصوصا أن الانتخابات التشريعية تقترب في ظل منافسة متزايدة بين مختلف الأحزاب التي بدأت مبكرا في إعادة ترتيب صفوفها واستقطاب الأعيان والمنتخبين.

وتأتي هذه التطورات بعد فترة طويلة من التذمر داخل صفوف عدد من المنتخبين والمناضلين، الذين عبروا في مناسبات مختلفة عن استيائهم من طريقة تدبير الشأن التنظيمي داخل الحزب، معتبرين أن مطالبهم وشكاياتهم لم تجد آذانا صاغية لدى القيادة المركزية. ووفق معطيات متداولة داخل الأوساط الحزبية، فإن عددا من المسؤولين المحليين سبق لهم أن نبهوا إلى وجود اختلالات تنظيمية تستوجب المعالجة، غير أن غياب التفاعل مع هذه المطالب ساهم في تعميق حالة الاحتقان، وفتح الباب أمام موجة من الاستقالات والانتقالات السياسية التي أضعفت التنظيم بالإقليم.

ويعتبر متابعون للشأن السياسي أن الأزمات التنظيمية غالبا ما تكون نتيجة تراكمات تمتد لسنوات، إذ لا تنشأ فجأة، وإنما تكون حصيلة لضعف التواصل بين القيادة والقواعد، وغياب آليات فعالة لتدبير الخلافات الداخلية. ويبدو أن ما وقع داخل الاتحاد الدستوري بالحوز يندرج ضمن هذا السياق، حيث تحولت الخلافات التي كان بالإمكان احتواؤها إلى أزمة تنظيمية انعكست بشكل مباشر على تماسك الحزب وعلى حضوره السياسي.

ولا يقتصر الحديث عن أسباب الأزمة على الجانب التنظيمي فقط، بل يمتد أيضا إلى تقييم الحصيلة البرلمانية للحزب بالإقليم. فعدد من الفاعلين المحليين يرون أن الأداء البرلماني خلال الولاية الماضية لم يكن في مستوى انتظارات الساكنة، سواء من حيث تتبع الملفات التنموية أو الدفاع عن القضايا المرتبطة بالبنيات التحتية والخدمات الأساسية ومشاريع التنمية المحلية. ويعتقد هؤلاء أن ضعف الحضور في عدد من القضايا التي تشغل الرأي العام المحلي ساهم في تراجع صورة الحزب لدى جزء من الناخبين، كما أثر على معنويات مناضليه ومنتخبيه.

وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن العمل البرلماني لا يقاس فقط بعدد الأسئلة أو المبادرات التشريعية، وإنما أيضا بمدى قدرة البرلماني على الحفاظ على تواصل دائم مع المواطنين ومواكبة انشغالاتهم ونقل مطالبهم إلى المؤسسات المعنية. ولذلك فإن أي إحساس بوجود فجوة بين المنتخبين والساكنة قد ينعكس بشكل مباشر على الثقة السياسية، وهو ما قد يكون أحد العوامل التي ساهمت في الوضع الذي يعيشه الحزب حاليا.

ومن أبرز المحطات التي عكست حجم التحولات داخل الاتحاد الدستوري بإقليم الحوز انتقال المنسق الإقليمي عبد الغني كامل إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهي خطوة اعتبرها كثيرون مؤشرا واضحا على عمق الأزمة التنظيمية. ولم يكن هذا الانتقال حدثا معزولا، بل تزامن مع التحاق عدد من رؤساء الجماعات ومنتخبين آخرين بأحزاب مختلفة، في حين يواصل مستشارون جماعيون دراسة خياراتهم السياسية استعدادا للمرحلة المقبلة، في مشهد يعكس حركية غير مسبوقة في الخريطة الحزبية بالإقليم.

وتحمل هذه التحركات أكثر من دلالة سياسية، إذ تؤكد أن مرحلة ما قبل الانتخابات أصبحت تشهد تنافسا قويا بين الأحزاب لاستقطاب الكفاءات والمنتخبين القادرين على تعزيز حظوظها الانتخابية. كما تعكس في الوقت نفسه رغبة عدد من المنتخبين في البحث عن فضاءات سياسية جديدة يرون أنها توفر لهم فرصا أكبر للاستمرار في العمل السياسي وخوض الاستحقاقات المقبلة في ظروف يعتبرونها أكثر ملاءمة.

وفي ظل هذا الواقع، برزت داخل الأوساط المحلية أسماء مرشحة لتولي مسؤولية قيادة اللائحة البرلمانية للاتحاد الدستوري بإقليم الحوز، ومن بينها اسم حسن أدوكريم، المستشار الجماعي بجماعة مولاي إبراهيم، الذي يجري تداوله باعتباره أحد الوجوه التي يمكن أن تضطلع بهذه المهمة خلال المرحلة المقبلة. ويأتي هذا التداول في وقت يسعى فيه الحزب إلى إعادة بناء هياكله المحلية واستعادة جزء من حضوره السياسي بعد موجة المغادرات التي عرفها خلال الأشهر الماضية.

وفي المقابل، يرتقب أن يخوض إبراهيم أوتوكارت، الذي كان يمثل أحد أبرز وجوه الحزب بالإقليم، الانتخابات التشريعية المقبلة باسم حزب الحركة الشعبية، وهو ما يضيف بعدا جديدا للمنافسة السياسية المرتقبة بالحوز، خاصة إذا ما تأكدت هذه المعطيات خلال مرحلة إيداع الترشيحات الرسمية. ومن شأن هذا المعطى أن يعيد رسم موازين القوى بين مختلف الأحزاب، بالنظر إلى الوزن الانتخابي الذي تمثله الشخصيات المحلية في مثل هذه الاستحقاقات.

ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن إعادة تشكيل الخريطة السياسية بالحوز لا تقتصر على حزب الاتحاد الدستوري وحده، بل تشمل مختلف التنظيمات السياسية التي دخلت منذ أشهر في سباق مبكر لإعادة ترتيب صفوفها واستقطاب الأطر والمنتخبين وتعزيز حضورها داخل الجماعات الترابية. ويبدو أن هذا الحراك سيزداد زخما كلما اقترب موعد الانتخابات، خاصة في ظل الرغبة المشتركة للأحزاب في تحسين نتائجها الانتخابية وضمان تمثيلية قوية داخل البرلمان.

كما يلفت متابعون إلى أن نجاح أي حزب في تجاوز أزماته الداخلية يبقى رهينا بقدرته على فتح قنوات الحوار مع مناضليه، واعتماد مقاربة تنظيمية تستجيب لتطلعات القواعد، إلى جانب تقديم برامج سياسية وتنموية مقنعة تستجيب لأولويات المواطنين. فالمنافسة الانتخابية لم تعد تعتمد فقط على الأسماء أو الانتماءات الحزبية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على إقناع الناخبين بجدية برامجهم وحضورهم الميداني.

وفي السياق نفسه، يرى عدد من المهتمين أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة للاتحاد الدستوري بإقليم الحوز، لأنها ستحدد إلى حد كبير قدرته على استعادة مكانته داخل المشهد السياسي المحلي أو استمرار تراجع حضوره لصالح منافسين نجحوا في استقطاب عدد من قياداته ومنتخبيه. وسيكون على الحزب، إذا أراد تجاوز هذه الأزمة، العمل على إعادة بناء الثقة مع قواعده، وتقوية تنظيمه الداخلي، واختيار مرشحين يحظون بقبول محلي واسع، مع تقديم خطاب سياسي قادر على استيعاب التحولات التي يعرفها الإقليم.

وفي انتظار اتضاح الصورة النهائية بشأن الترشيحات والتحالفات، يبقى المؤكد أن إقليم الحوز مقبل على مرحلة سياسية تتسم بكثير من الحركية والتنافس، في ظل إعادة رسم موازين القوى بين الأحزاب واستمرار انتقال المنتخبين من تنظيم إلى آخر. وسيكون أداء الأحزاب خلال الأشهر المقبلة، ومدى نجاحها في تدبير خلافاتها الداخلية واستقطاب الكفاءات، عاملا أساسيا في تحديد نتائج الاستحقاقات التشريعية المقبلة، التي ينتظر أن تعرف منافسة قوية بالنظر إلى التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد السياسي بالإقليم، وإلى الرهانات المرتبطة بتمثيل الساكنة والدفاع عن قضاياها داخل المؤسسة التشريعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.