الانتفاضة/ ياسمين السملالي
ليست كل الرسائل تُكتب بالحبر، فهناك رسائل تُكتب بالصبر، والإخلاص، وبسنوات من العطاء الذي لا ينتظر تصفيقا ولا شهرة. وهناك نساء يتركن أثرا لا يُقاس بما جمعنه لأنفسهن، بل بما غرسنه في قلوب الآخرين. ومن بين هؤلاء تبرز المرشدة الدينية الأستاذة هند الزخيري، مرشدة بالمجلس العلمي المحلي لمراكش، التي جعلت من خدمة كتاب الله رسالة تسكن قلبها قبل أن تكون مهمة تؤديها.
في كل حلقة من حلقات التحفيظ، كانت تفتح بابا جديدا نحو القرآن، فتستقبل النساء بمحبة، وترافقهن في رحلة الحفظ والتلاوة، تصبر على تكرار الآيات، وتشجع المتعثرة، وتفرح بتقدم كل طالبة وكأنها ابنتها. لم تكن تعلم الكلمات فحسب، بل كانت توقظ في القلوب شغفا بكلام الله، وتزرع فيها يقينا بأن القرآن ليس للحفظ فقط، بل للحياة.
وربما لا يعلم الكثيرون أن وراء كل امرأة تختم القرآن سنوات من الصبر، وأن وراء كل ختمة ناجحة معلمة آمنت برسالتها، ولم تيأس من أحد، ولم تغلق بابها في وجه من أرادت أن تتعلم. لهذا استطاعت الأستاذة هند الزخيري أن تكون سببا، بعد فضل الله، في أن تحفظ عشرات النساء كتاب الله، وأن يتحول حلم كان يبدو بعيدا إلى حقيقة تعيشها الكثيرات.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها من باب المجاملة، بل من باب الوفاء. فوالدتي كانت واحدة ممن أكرمهن الله بختم القرآن الكريم على يدي هذه الجوهرة. كنت أرى فرحتها وهي تردد الآيات، وأدرك أن وراء هذا الإنجاز امرأة أعطت من وقتها وجهدها وقلبها، دون أن تنتظر سوى رضا الله.
هناك أشخاص يمنحوننا أشياء تنتهي بانتهاء الأيام، وهناك من يمنحوننا ما يبقى معنا العمر كله. وتعليم القرآن من أعظم العطايا التي يمكن أن يقدمها إنسان لإنسان؛ لأنه يزرع نورا لا ينطفئ، وسكينة لا تُشترى، وأملا يتجدد مع كل آية تُتلى.
شكرا للأستاذة هند الزخيري، لأنك كنت سببا في أن تمتلئ قلوب كثيرة بكلام الله، ولأنك أثبت أن أعظم الأثر هو الذي يُصنع في الأرواح. وشكرا لأن والدتي كانت واحدة من ثمار هذا العطاء المبارك، وهو أمر سأظل أفتخر به ما حييت.
سيظل اسمك مرتبطا في ذاكرة كل من تعلمت على يديك، لأن بعض الناس لا يُعرفون بما يقولون، بل بما يتركونه من نور في قلوب الآخرين.
التعليقات مغلقة.