الانتفاضة/ ابراهيم أكرام – عدسة : سعيد صبري
يشهد قطاع تربية الأحياء المائية البحرية في المغرب دينامية متسارعة في السنوات الأخيرة، في إطار التوجه الاستراتيجي نحو تعزيز الاقتصاد الأزرق وتنويع مصادر الإنتاج البحري، باعتباره أحد القطاعات الواعدة القادرة على تحقيق التنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل وضمان الأمن الغذائي. وفي هذا السياق، احتضنت مدينة مراكش أشغال منتدى تربية الأحياء المائية البحرية 2026، الذي جمع مسؤولين حكوميين ومستثمرين وخبراء في الاقتصاد الأزرق، بهدف تسليط الضوء على المؤهلات الطبيعية والاستثمارية التي تزخر بها جهة مراكش آسفي، واستعراض فرص الاستثمار المتاحة في هذا القطاع الذي أصبح يحظى باهتمام متزايد على المستويين الوطني والدولي.

وشكل المنتدى منصة للحوار وتبادل الخبرات بين مختلف الفاعلين، حيث تم استعراض الرؤية الوطنية الرامية إلى تطوير تربية الأحياء المائية باعتبارها رافعة أساسية لتنمية الاقتصاد البحري، مع التركيز على الدور الذي يمكن أن تلعبه جهة مراكش آسفي في احتضان مشاريع استثمارية جديدة بفضل امتدادها الساحلي المهم ومؤهلاتها الطبيعية المتنوعة. كما ناقش المشاركون التحديات والفرص المرتبطة بالقطاع، والآليات الكفيلة بجذب المزيد من المستثمرين، سواء من داخل المغرب أو من خارجه، في ظل توفر إطار قانوني وتنظيمي يضمن استدامة الاستثمارات ويحافظ على التوازنات البيئية.

وخلال أشغال المنتدى، قدم مصطفى أمزوغ، رئيس قسم الاستثمار والترويج والدراسات بالوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء المائية، عرضا مفصلا حول الإمكانات الاستثمارية التي توفرها جهة مراكش آسفي، مؤكدا أن مخططات تهيئة الأحياء المائية التي تم إعدادها خلال السنوات الماضية أصبحت تشكل مرجعا أساسيا لتنظيم القطاع، إذ تتيح للمستثمرين رؤية واضحة بشأن المواقع المؤهلة للاستثمار، مع ضمان احترام المعايير البيئية ومتطلبات التنمية المستدامة. وأوضح أن هذه المخططات تمثل خطوة استراتيجية نحو استغلال الموارد البحرية بطريقة عقلانية تحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على النظم البيئية البحرية.

وأكد العرض أن المغرب تمكن من إنجاز مخططات تهيئة تغطي ثماني جهات ساحلية، حيث تم تحديد حوالي 24 ألف هكتار من المناطق البحرية المؤهلة للاستثمار في مشاريع تربية الأحياء المائية، موزعة على نحو 1500 قطعة بحرية، وهو ما يمثل حوالي 77 في المائة من مجموع الشريط الساحلي الوطني. وتعكس هذه الأرقام حجم الجهود التي بذلتها الدولة لتوفير وعاء عقاري بحري منظم، يتيح للمستثمرين إطلاق مشاريعهم في ظروف واضحة وشفافة، مع تقليص العراقيل الإدارية التي كانت تعيق الاستثمار في هذا المجال خلال السنوات الماضية.

وتبرز جهة مراكش آسفي كواحدة من أبرز الجهات المؤهلة لاحتضان مشاريع جديدة في قطاع تربية الأحياء المائية، بفضل امتداد واجهتها الأطلسية على أكثر من 300 كيلومتر بين آسفي والصويرة، إضافة إلى توفرها على أكثر من ثلاثة آلاف هكتار من المناطق الصالحة للاستغلال. وتشير الدراسات التي أعدتها الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء المائية إلى أن هذه المناطق تمتلك مؤهلات طبيعية تسمح بتطوير أنشطة متنوعة تشمل تربية الأسماك والرخويات والطحالب البحرية وغيرها من الأحياء المائية ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة، مع هدف إنتاجي يصل إلى حوالي 58 ألف طن من المنتجات البحرية، وهو ما يعزز مكانة الجهة كقطب استثماري واعد في هذا المجال.

ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على رفع حجم الإنتاج البحري فقط، بل تمتد إلى مساهمتها في تحقيق التنمية المحلية وخلق فرص الشغل، خاصة في المناطق الساحلية التي تعتمد بشكل كبير على أنشطة الصيد التقليدي. فتنمية تربية الأحياء المائية تفتح آفاقا جديدة أمام الشباب والمقاولات الصغرى والمتوسطة، كما تساهم في تنويع مصادر الدخل وتحسين الظروف الاجتماعية للسكان، من خلال خلق سلاسل إنتاج متكاملة تشمل الإنتاج والتثمين والتسويق والخدمات اللوجستية المرتبطة بالقطاع.

ومن بين أبرز الرسائل التي حملها المنتدى، التأكيد على أن أكثر من 50 في المائة من المساحات البحرية التي تم تخصيصها للاستثمار لا تزال متاحة، وهو ما يعكس وجود هامش واسع لاستقبال مشاريع جديدة في مختلف تخصصات تربية الأحياء المائية. ويعتبر هذا المعطى مؤشرا إيجابيا بالنسبة للمستثمرين، لأنه يعكس استمرار توفر فرص استثمارية مهمة لم يتم استغلالها بعد، سواء في مجال تربية الأسماك أو الطحالب أو الأحياء البحرية الأخرى التي تعرف طلبا متزايدا في الأسواق المحلية والعالمية.

كما شددت الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء المائية على أن المستثمرين الراغبين في ولوج هذا القطاع يستفيدون من مواكبة تقنية وإدارية ومالية متكاملة، تشمل تبسيط المساطر الإدارية، وتقديم الدعم في اختيار المواقع المناسبة، ومرافقة المشاريع خلال مختلف مراحل الإنجاز، فضلا عن تطوير شراكات مع مؤسسات تمويل وطنية ودولية لتسهيل الولوج إلى التمويل اللازم. وتأتي هذه الإجراءات في إطار سياسة الدولة الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتشجيع الاستثمار المنتج، بما يضمن تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية مستدامة.

ويكتسي تطوير تربية الأحياء المائية أهمية خاصة في ظل التحديات التي يعرفها قطاع الصيد البحري التقليدي، وعلى رأسها الضغط المتزايد على الموارد السمكية وتأثيرات التغيرات المناخية على المخزون البحري. لذلك، أصبح الاستثمار في الاستزراع المائي يمثل خيارا استراتيجيا لضمان استمرارية الإنتاج البحري وتلبية الطلب المتزايد على المنتجات البحرية، مع تقليل الضغط على المصايد الطبيعية وتحقيق الاستغلال المستدام للموارد البحرية.

وتنسجم هذه الدينامية مع التوجهات الدولية الرامية إلى تعزيز الاقتصاد الأزرق باعتباره نموذجا تنمويا يقوم على الاستغلال المستدام للموارد البحرية، حيث أصبح هذا المفهوم يحتل مكانة متقدمة ضمن السياسات الاقتصادية والبيئية للعديد من الدول. ويسعى المغرب بدوره إلى ترسيخ هذا التوجه من خلال تطوير قطاعات مرتبطة بالبحر، من بينها تربية الأحياء المائية، والصناعات البحرية، والطاقات المتجددة البحرية، والسياحة الساحلية، بما يساهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات المستقبلية.

كما يشكل المنتدى فرصة لتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة في مجال تربية الأحياء المائية، بما يسمح بتطوير حلول مبتكرة لمواجهة التحديات التقنية والبيئية التي قد تواجه المستثمرين. ويؤكد هذا التعاون أهمية اعتماد مقاربة تشاركية تجمع مختلف المتدخلين، من إدارات عمومية ومؤسسات بحث علمي وجامعات ومستثمرين، لضمان نجاح المشاريع وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وفي ظل المؤهلات الطبيعية التي تتمتع بها جهة مراكش آسفي، والإجراءات التحفيزية التي وضعتها الدولة، تبدو آفاق الاستثمار في قطاع تربية الأحياء المائية واعدة أكثر من أي وقت مضى. فتوفر مساحات بحرية واسعة غير مستغلة، إلى جانب وجود مخططات تهيئة واضحة ومواكبة مؤسساتية متخصصة، يشكل عوامل جذب قوية للمستثمرين الباحثين عن فرص جديدة في قطاع يشهد نموا متواصلا على المستوى العالمي. كما أن نجاح هذه المشاريع من شأنه أن يعزز مكانة المغرب كفاعل إقليمي في مجال الاستزراع المائي، وأن يساهم في تحقيق أهداف الأمن الغذائي، ورفع الصادرات البحرية، وتنمية الاقتصاد الأزرق، بما ينعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة خلال السنوات المقبلة.