هدم منازل بأولاد برحمون يشعل التساؤلات.. هل احترمت السلطات مسطرة زجر مخالفات التعمير؟

ما هي المسطرة التي يفرضها القانون قبل تنفيذ الهدم؟

0

الانتفاضة / ابن الحوز

أثار مشهد يوثق عملية هدم عدد من المنازل بدوار أولاد برحمون، التابع لجماعة وقيادة الواحة سيدي إبراهيم، نقاشا واسعا بين عدد من السكان والمتضررين، بعدما أشرف قائد قيادة واحة سيدي إبراهيم على عملية الهدم، وفق ما أفاد به متضررون، قالوا إن العملية تمت دون سابق إنذار أو إشعار لهم، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول المساطر القانونية والإدارية التي سبقت اتخاذ هذا القرار.

وبحسب تصريحات متضررين من العملية، فإن عددا من المنازل التي شملها الهدم كانت تستعمل للسكن، فيما أكد بعض سكان الدوار أن من بين البنايات التي تم هدمها منازل يعود وجودها إلى سنوات، بل إن بعضها، حسب روايات متداولة محليا، يتجاوز عمرها ثماني سنوات. وهي معطيات، إن صحت، تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول كيفية استمرار هذه البنايات طوال هذه المدة دون أن تشملها عمليات المراقبة أو المعاينة أو اتخاذ الإجراءات القانونية في حينها.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن البناء العشوائي أو التشجيع على مخالفة قوانين التعمير، فاحترام القانون يظل أساسا لتنظيم المجال وحماية حقوق جميع المواطنين، وإنما يتعلق الأمر بضرورة معرفة ما إذا كانت عملية الهدم قد تمت وفق المسطرة القانونية التي يؤطرها التشريع المغربي، وما إذا كانت جميع الإجراءات السابقة على التنفيذ قد احترمت بالشكل المطلوب.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى أن القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في ميدان التعمير والبناء وضع مجموعة من المقتضيات والإجراءات التي تؤطر كيفية التعامل مع المخالفات، انطلاقا من مرحلة المعاينة ووصولا إلى التدابير التي يمكن اتخاذها بحسب طبيعة المخالفة والوضعية القانونية للبناء.

فمعاينة مخالفة في مجال التعمير لا تعني، من حيث المبدأ، أن الهدم يمكن أن يتم بصورة فورية وتلقائية، إذ إن المشرع وضع مسطرة تقوم على التدرج في التعامل مع المخالفات. وتبدأ هذه المسطرة، بحسب الحالات، بمعاينة الأشغال المخالفة من طرف الجهات المخول لها قانونا ذلك، وتحرير محضر يتضمن طبيعة المخالفة والوقائع التي تمت معاينتها، قبل ترتيب الآثار القانونية المترتبة عن هذه المعاينة.

وفي حالة وجود أشغال في طور الإنجاز وثبوت مخالفتها، يمكن أن يصدر الأمر بإيقافها، مع اتخاذ الإجراءات القانونية المرتبطة بذلك وإشعار الجهات المعنية وفقا للمقتضيات المنظمة. وفي حال عدم الامتثال، يمكن أن تنتقل المسطرة إلى تدابير أخرى، من بينها إغلاق الورش ووضع الأختام وحجز المعدات ومواد البناء، بحسب طبيعة الحالة ومدى توفر الشروط القانونية لذلك.

أما الهدم، فلا ينبغي اختزاله في مجرد قرار إداري عابر، لأنه يمثل إجراء بالغ الأثر، خصوصا عندما يتعلق الأمر ببناية تستعمل للسكن أو تأوي أسرة. ولذلك فإن تحديد مدى قانونية أي عملية هدم يقتضي الاطلاع على الملف كاملا، ومعرفة طبيعة المخالفة، وتاريخ معاينتها، والمحاضر المنجزة بشأنها، والقرارات التي صدرت في حق المعنيين، وكيفية تبليغها، والجهة التي أمرت بالتنفيذ، والسند القانوني الذي تم الاعتماد عليه.

ومن هنا تبرز أهمية تصريحات بعض سكان دوار أولاد برحمون الذين يتساءلون عن مصير المخالفات التي يقولون إنها ظلت قائمة لسنوات. فإذا كانت بعض المنازل قد شُيدت منذ أكثر من ثماني سنوات، وفق ما يتداوله سكان المنطقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين كانت المراقبة طوال هذه الفترة؟ وهل تمت معاينة هذه البنايات في وقت سابق؟ وهل صدرت بشأنها محاضر أو أوامر بإيقاف الأشغال أو قرارات أخرى؟ وإذا كانت هناك مخالفات قائمة منذ سنوات، فما الذي أدى إلى الانتقال إلى مرحلة الهدم في هذا التوقيت تحديداً؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني توجيه الاتهام إلى أي جهة، ولا يسمح باستنتاج وجود تقصير أو مخالفة من جانب السلطة دون الاطلاع على الوثائق والمعطيات الرسمية، لكنه يعكس حاجة السكان إلى معرفة الأساس القانوني الذي بني عليه القرار، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمساكن وأسر قد تجد نفسها، بعد عملية الهدم، أمام وضع اجتماعي صعب.

كما أن التساؤلات التي يطرحها المتضررون بشأن غياب الإنذار أو الإشعار السابق، إن ثبتت صحتها، تستوجب توضيحا رسميا من الجهات المعنية، لأن الإشعار والتبليغ والإجراءات السابقة على التنفيذ ليست مجرد تفاصيل شكلية، وإنما تدخل ضمن ضمانات أساسية تساعد على معرفة حقوق وواجبات الأطراف، وتمكن المعني بالأمر من سلوك المساطر القانونية المتاحة له عند الاقتضاء.

وفي المقابل، فإن السلطة المحلية مطالبة، من موقع مسؤوليتها، بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، لأن ترك مخالفات التعمير تتراكم لسنوات لا يمكن أن يشكل مبرراً لاستمرارها أو تحصينها من الإجراءات القانونية. غير أن تطبيق القانون ينبغي أن يكون عاما ومجردا ومتساويا، وأن يتم وفق مساطر واضحة، بما يضمن عدم تحول التدخل الإداري إلى مصدر لشعور بالتمييز أو الانتقائية لدى المواطنين.

وهنا تبرز أيضاً مسألة أخرى أثارها بعض سكان الدوار، تتمثل في التساؤل عما إذا كانت هذه العملية تدخل في إطار تطبيق عادي للقانون، أم أنها جاءت نتيجة ضغوط أو تدخلات من جهات أخرى. وهذه فرضية لا يمكن الجزم بها أو نسبتها إلى أي جهة دون أدلة، لكن مجرد تداولها بين السكان يفرض على السلطات المعنية، إذا أرادت وضع حد للتأويلات، أن تقدم التوضيحات اللازمة بشأن الأساس القانوني والإداري للعملية، وأن تكشف، في حدود ما يسمح به القانون، عن طبيعة المسطرة التي تم اعتمادها.

فالسلطة المحلية، بما لها من اختصاصات في مجال مراقبة التعمير وتطبيق القوانين، تظل مطالبة بأن تجعل قراراتها قابلة للفهم والتبرير القانوني، خاصة عندما تكون نتائجها ذات أثر مباشر على حياة المواطنين وممتلكاتهم. وكلما كان القرار أكثر حساسية، كانت الحاجة إلى الوضوح والتواصل أكبر.

كما أن مسؤولية احترام قانون التعمير لا تقع على عاتق المواطن وحده، وإنما تتقاسمها مختلف الجهات المتدخلة في تدبير ومراقبة المجال العمراني. فالمراقبة المنتظمة والتدخل في الوقت المناسب يمكن أن يمنعا تحول بنايات مخالفة إلى واقع قائم يصعب التعامل معه لاحقا. أما ترك المخالفات لسنوات ثم الانتقال بشكل مفاجئ إلى إجراءات صارمة، فقد يخلق إحساساً لدى المتضررين بأن القواعد لم تطبق عليهم في الوقت المناسب.

وفي هذا السياق، فإن المطلوب ليس تعطيل القانون أو حماية المخالفات، وإنما تطبيق القانون بطريقة تحقق التوازن بين حماية النظام العام العمراني وصون حقوق المواطنين. فمحاربة البناء غير القانوني تظل ضرورة للحفاظ على سلامة المجال العمراني ومنع الفوضى، لكن هذه المحاربة لا ينبغي أن تتم خارج الضوابط والمساطر التي حددها المشرع.

كما أن وضعية كل منزل على حدة تظل عنصرا أساسيا في تقييم العملية. فقد تختلف الحالات من بناء إلى آخر من حيث الرخصة، وطبيعة المخالفة، وتاريخ الإنجاز، ومدى قابلية التسوية، وما إذا كانت البناية تقع في مجال يمنع فيه البناء أصلا أو في منطقة تخضع لضوابط خاصة. ولذلك فإن إصدار حكم عام على العملية، سواء بالإدانة أو بالتبرير، دون الاطلاع على الملفات الفردية، سيكون سابقا لأوانه.

ويبقى السؤال الجوهري الذي ينتظر سكان دوار أولاد برحمون جوابا واضحا: ما هي المسطرة القانونية التي سبقت عملية الهدم؟ وهل تم تحرير محاضر المعاينة؟ وهل تم إشعار المعنيين بالأمر؟ وما طبيعة القرارات الصادرة بشأن المنازل المعنية؟ ومن هي الجهة التي اتخذت قرار الهدم أو أمرت بتنفيذه؟ وهل استفاد المتضررون من الضمانات القانونية التي يتيحها لهم القانون؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة كفيلة بتبديد الكثير من اللبس الذي رافق العملية، كما أنها ستسمح بتحويل النقاش من مستوى الاتهامات والتأويلات إلى مستوى الوثائق والقانون والمسؤولية.

وفي دولة المؤسسات، لا يكفي أن يكون الهدف مشروعا، بل ينبغي أن تكون الوسائل المعتمدة لتحقيقه مشروعة أيضا. فإذا كانت البنايات مخالفة، فإن القانون يجب أن يطبق عليها، وإذا كانت المسطرة قد احترمت، فإن توضيح ذلك للرأي العام والسكان من شأنه أن يعزز الثقة في المؤسسات. أما إذا كانت هناك اختلالات في الإجراءات، فإن الكشف عنها ومعالجتها يظل جزءا من احترام دولة القانون.

وبين هذا وذاك، تبقى قضية دوار أولاد برحمون مفتوحة على أكثر من سؤال، ليس فقط حول مشروعية البناء، وإنما أيضا حول مسؤولية المراقبة، وتوقيت التدخل، ومدى احترام حقوق المعنيين، وحدود اختصاصات مختلف المتدخلين. وهي أسئلة لا يمكن حسمها بالصور أو التصريحات وحدها، وإنما تحتاج إلى الوثائق الرسمية، والمحاضر، والقرارات الإدارية والقضائية عند الاقتضاء.

وفي انتظار توضيحات الجهات المختصة، يظل الأهم هو أن تتم معالجة هذه القضية بعيدا عن منطق التصعيد أو الانتقائية، وأن يخضع الجميع للقانون نفسه، مواطنين وسلطات، وأن تكون أي عملية هدم مستندة إلى أساس قانوني واضح ومساطر سليمة، لأن هيبة القانون لا تتحقق فقط بفرضه، وإنما أيضا باحترام الإجراءات والضمانات التي وضعها المشرع لحماية الحقوق وتحقيق العدالة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.