الانتفاضة/ بقلم :رشيد حَ
يقول فيودور دوستويفسكي: «سرّ الوجود الإنساني لا يكمن في البقاء على قيد الحياة فحسب، وإنما في العثور على شيء يستحق أن يحيا الإنسان من أجله، وأن يحتمل في سبيله قسوة العالم ووحشته وتناقضاته».
ثمة مدن تُقرأ في الخرائط، ومدن تُقرأ في كتب التاريخ، ومدن ثالثة تحتاج إلى شيء أكثر تعقيدًا من الجغرافيا وأشد مراوغة من الذاكرة؛ تحتاج إلى أن تدخلها بعد منتصف الليل، وأن تمشي في شوارعها وأنت تعرف أن للرصيف ذاكرة، وللنافذة عينًا، وللضوء الخافت سيرة مستترة، وللأماكن التي تبدو عابرة قدرة غريبة على ابتلاع الذين يمرون بها… ومكناس، في رواية «الحفرة» للكاتب والفنان إدريس الروخ، تنتمي إلى هذا الصنف الأخير؛ مدينة لا تمنح مفاتيحها دفعة واحدة، ولا تضع أسرارها على قارعة الطريق، وإنما تتركها مبثوثة في الأزقة، وفي الوجوه، وفي المقاهي، وفي عتمة الليل، وفي ذلك الفارق الموجع بين مدينة تستمد من تاريخها مهابة الاسم ومدينة تعجز في حاضرها عن مجاراة سرعة الزمن، وكأن التاريخ عندها صار قصرًا شامخًا يقيم فيه الماضي، بينما الحاضر يبيت في غرفة جانبية ضيقة لا تصلها الشمس.
من هذه العتبة تحديدًا يمكن الدخول إلى عالم إدريس الروخ، لا باعتبار «الحفرة» مجرد رواية عن امرأة تغادر بيت أبيها، أو عن كاباريه ليلي تتقاطع فيه الرغبات والانكسارات، أو عن مدينة تتناسل فيها الحكايات تحت ضوء النيون، وإنما باعتبارها نصًا متعدد الطبقات، متشعب الدلالة، يتخذ من المكان جسدًا، ومن الليل زمنًا، ومن سعاد جرحًا سرديًا مفتوحًا، ومن الشخصيات شظايا متناثرة لوعي اجتماعي مأزوم؛ ولذلك فإن قراءة الرواية بعين تبحث عن الحكاية وحدها تشبه محاولة قراءة مرآة من الجهة الخلفية، إذ ستجد الزجاج والإطار، وستغيب عنك الوجوه التي جاءت الرواية أصلًا كي تجعلها مرئية.
أعرف مكناس، ولذلك وجدتني أقرأ الرواية بشيء من التواطؤ الوجداني مع المكان، وأتقدم في صفحاتها كما يتقدم المرء في بيت قديم يعرف مواضع أبوابه ونوافذه، ثم يفاجأ بأن غرفة كان يظنها خالية تخفي وراء جدارها تاريخًا كاملًا من الأسرار؛ فمكناس التي أعرفها ليست تلك المدينة السياحية المصقولة التي تصلح للبطاقات البريدية، ولا تلك المدينة التاريخية التي تُستدعى كلما احتاج الخطاب الرسمي إلى جرعة من العراقة، وإنما هي مدينة ذات طبقات متراكبة، فيها مهابة الماضي وارتباك الحاضر، فيها الجمال الذي يرفض أن ينقرض والقبح الذي يتصرف أحيانًا كأنه صاحب إقامة دائمة، فيها الوقار والابتذال، الصمت والضجيج، الذاكرة والنسيان، ولذلك فإن إدريس الروخ لم يكتب عن مدينة يراها من بعيد؛ كتب عن مدينة تسكنه، وعن جغرافيا يعرف تضاريسها النفسية قبل تضاريسها العمرانية، وعن مكان يستطيع أن يحبه بقدر ما يستطيع أن يجرحه.
ومن الثابت أن أقسى النقد يأتي غالبًا من أكثر المواقع التصاقًا بالمحبة، لأن المحب الذي يكتفي بالمديح يمدح صورة صنعها لنفسه، أما المحب الذي يغامر بتعرية محبوبه فيضع يده على موضع الألم، وقد فعل إدريس الروخ ذلك مع مكناس بجرأة سردية تستحق التوقف؛ فهو لا يلمّع المدينة، ولا يضع فوق عيوبها ستارًا من الديباج، ولا يردم شقوقها بالعبارات الاحتفالية، وإنما يتركها مكشوفة أمام القارئ، كما تُترك جدران بيت قديم أمام مهندس يريد معرفة مقدار ما بقي فيه من صلابة، ولذلك تصبح الرواية في أحد مستوياتها محاكمة رمزية لزمن حضري تعثّر، ولسلوك اجتماعي وسياسي ترك المدينة تتآكل من الداخل، حتى صار السؤال عن المدينة سؤالًا عن الذين أداروا ظهرهم لها.
وهنا تكمن إحدى براعات الرواية؛ فمكناس عند إدريس الروخ لا تعمل بوصفها خلفية محايدة للأحداث، وإنما تتحول إلى كائن سردي له مزاجه وذاكرته وعاهاته وأحلامه المجهضة، حتى يمكن القول إن المدينة نفسها تدخل في عداد الشخصيات، وإن سعاد وفهد وسليمان وسائق سيارة الأجرة والوجوه المجهولة ليست سوى أجساد بشرية تتنقل داخل جسد أكبر اسمه مكناس؛ ومن ثم تصبح الحكاية الفردية امتدادًا للحكاية الجماعية، ويصبح سقوط الإنسان في المكان الخطأ صورة مصغرة لسقوط المدينة في زمنها الخطأ، وتصبح العتمة التي تحيط بسعاد أكثر من عتمة شارع أو ملهى، إنها عتمة اجتماعية كثيفة، تتشكل من الفقر والهشاشة والاستغلال والاغتراب وانسداد الأفق.
أما العنوان، «الحفرة»، فهو من تلك العناوين التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة حد السذاجة، ثم تكتشف بعد صفحات قليلة أنها كانت أكثر العبارات خبثًا وذكاءً في الكتاب كله؛ كلمة واحدة، قصيرة، خشنة، ترابية، لا تحمل زخرفة لغوية، لكنها تفتح أمام التأويل هوة واسعة، فالاسم يمكن أن يعني مكانًا سحيقًا، أو مأزقًا، أو سقوطًا، أو قبرًا، أو ملجأ، أو مصيدة، أو فضاءً تنزل إليه الرغبات ثم تخرج منه الأرواح مثقلة بما رأت، ولذلك فإن العنوان لا يصف المكان فقط، وإنما يؤسس لمنطق الرواية برمتها، وكأن إدريس الروخ يقول للقارئ منذ البداية: انتبه، أنت مقبل على سرد لا يصعد بك إلى الأعلى، وإنما ينزلك درجة بعد أخرى إلى الطبقات الخفية للإنسان والمدينة.
واللافت أن الغلاف نفسه يشارك في صناعة هذا المعنى؛ وجه شابة معصوبة العينين، وملامح مثقلة بالندوب، وأحمر شفاه يلمع وسط ذلك الخراب البصري، ثم كتابة مضيئة تشبه أضواء الأمكنة الليلية، كلها عناصر تجعل القارئ أمام مفارقة بصرية دقيقة: الجمال موجود، لكنه محاصر؛ والضوء حاضر، لكنه ضوء اصطناعي؛ والوجه ظاهر، لكنه معصوب؛ والمرأة موجودة، غير أن رؤيتها للعالم مصادرة؛ وهكذا يتحول الغلاف إلى عتبة سيميائية تمهّد لما سيأتي، فلا تدخل الرواية من باب الكلمات وحدها، وإنما تدخلها من باب الصورة أيضًا، وكأن النص منذ غلافه الأول يريد أن يقول إن ما سنراه يحتاج إلى عينين مفتوحتين وإدراك ثالث لا تمنحه العينان وحدهما.
سعاد، في تقديري، هي أكثر من بطلة؛ إنها بؤرة التوتر التي تتجمع حولها خيوط الرواية، وهي شخصية تتأرجح بين إرادة الانفلات واستحالة التحرر، بين الرغبة في صناعة مصيرها والخضوع لشروط صنعتها الأسرة والمجتمع والجنس والاقتصاد والمكان؛ تبدأ رحلتها وهي تحمل غضبًا تجاه الأب، ثم تكتشف تدريجيًا أن مغادرة البيت لا تعني مغادرة سلطة الأب، وأن تغيير المكان قد يغير الجدران فقط بينما تظل البنية العميقة للسجن قائمة، ولذلك فإن خروجها من البيت يشبه خروج سجين من زنزانة إلى ممر طويل لا يعرف في نهايته سوى باب آخر.
ومن هنا تكتسب شخصية سائق سيارة الأجرة قيمة رمزية دقيقة، فهو رجل بلا اسم، وكأن الكاتب تعمد تجريده من الهوية الفردية ليمنحه وظيفة أوسع من شخصه؛ إنه الأب البديل، أو الأب الذي يصل متأخرًا، أو الأب الذي يحاول إصلاح خطيئة لم يعد قادرًا على إصلاح أصلها، وهو يحمل ذاكرة ابنته التي ضاعت عند عتبة المكان ذاته، فيرى في سعاد احتمالًا آخر للمأساة، فيحاول إيقافها، غير أن سلطته الأبوية تفقد مفعولها أمام امرأة خرجت أصلًا من بيتها هربًا من سلطة الأب؛ وهنا تشتغل الرواية بذكاء على مفارقة نفسية واجتماعية: الرجل الذي يريد إنقاذ المرأة يستعمل اللغة ذاتها التي سئمتها المرأة، فتتحول الحماية إلى امتداد للوصاية، وتصبح النية الحسنة عاجزة عن تفكيك البنية التي صنعت الجرح.
أما فهد، فهو واحد من أكثر النماذج الذكورية دلالة في الرواية، لأنه لا يظهر في هيئة الوحش منذ البداية؛ يظهر بوصفه وعدًا، فرصة، بابًا نحو النجومية، ومخرجًا من حياة خانقة، ثم ينكشف تدريجيًا باعتباره شكلًا آخر من أشكال الاستعباد، وهذه النقلة من «المنقذ» إلى «المستحوذ» من أكثر مناطق الرواية قتامة، لأنها تكشف كيف يمكن للإنسان المقهور أن يقع في أسر من يقدّم نفسه له بوصفه خلاصًا؛ فهد لا يكسر قيد سعاد، وإنما يعيد هندسته، ويستبدل سلطة الأب بسلطة السوق والجسد والفرجة، فتغدو المرأة مشروعًا تجاريًا، وصوتًا قابلًا للاستهلاك، وجسدًا يؤدي وظيفته أمام جمهور يأتي إلى المكان بحثًا عن لحظة نشوة عابرة.
وهنا تبرز سعاد بوصفها صورة سوسيولوجية للإنسان الذي يبحث عن الخلاص داخل الأدوات التي صنعت مأساته، وهي مفارقة شديدة المرارة؛ فالطريق الذي تتصوره خلاصًا يتحول إلى نفق، والنجومية التي وُعدت بها تصبح وظيفة ليلية، والفن الذي كان يفترض أن يمنحها صوتًا يتحول إلى قناع، والجسد الذي يفترض أن يكون ملكًا لصاحبته يصبح سلعة في سوق ذكورية، ومن ثم فإن الرواية تضعنا أمام سؤال أعمق من سؤال المرأة وحدها: ماذا يفعل الإنسان عندما يصبح كل باب يطرقه نسخة محسنة من الباب الذي فرّ منه؟
سليمان يأتي من جهة أخرى، من جهة الفن المنكسر والهامش الذي ابتلع أصحابه، ولذلك يبدو في الرواية كأنه احتمال خلاص هش، أو قطعة خشب تطفو في ماء كثيف، يتمسك بها الغريق لأنه يحتاج إلى شيء، أي شيء، كي يؤجل لحظة الغرق؛ غير أن إدريس الروخ يتجنب صناعة بطل منقذ على الطريقة الرومانسية السهلة، لأن سليمان نفسه يحمل ندوبه، ويعيش على تخوم العجز، ولذلك فإن علاقته بسعاد لا تقوم على ثنائية المنقذ والضحية بقدر ما تقوم على تلاقي جرحين يبحث كل منهما في الآخر عن صيغة مؤقتة للنجاة.
ولعل هذه النقطة تفسر لماذا تبدو شخصيات الرواية أحيانًا وكأنها مرايا متقابلة؛ الأب وسائق الطاكسي، فهد وزوج الخالة، سعاد وابنته، سليمان وسعاد، مرتادو المكان والمدينة، كل شخصية تكرر جزءًا من الأخرى، وكل مصير يلمح إلى مصير آخر، وكأن إدريس الروخ يبني عالمه وفق تقنية المرايا المتكسرة، حيث لا توجد شخصية مكتفية بذاتها، وإنما كل شخصية تحمل أثر شخصية أخرى، وكل جرح يحيل إلى جرح سابق، وكل سقوط يجر وراءه ظله.
ومن الناحية التراجيدية، تتحرك سعاد وفق بنية قريبة من النموذج الأرسطي للبطل المأزوم؛ ثمة خطأ أو ضعف، وثمة قرار، وثمة مسار يتعذر التراجع عنه، ثم وعي يتشكل متأخرًا بعد أن تكون الأقدار قد قطعت معظم الجسور، ولهذا تبدو الرحلة الليلية أكثر من حركة في المكان؛ إنها رحلة نزول إلى الذات، وكل محطة فيها تنزع طبقة من الوهم، حتى تصبح سعاد في نهاية المسار أمام حقيقة ثقيلة: الإنسان قد يهرب طويلًا من المكان، لكنه يحمل المكان داخله.
وإذا كان النص يشتغل بثلاثة أصوات سردية، فإن هذه البنية تمنحه فسحة تتجاوز الحكاية الفردية، فصوت سعاد يمنح الرواية نبضها الداخلي، وصوت الكاتب الذي يتدخل في بعض المواضع يوسع مجال الرؤية نحو المدينة والمجتمع، ثم تأتي المقاطع التأملية لتمنح النص بعدًا وجوديًا، فتتجاور الحكاية مع المقالة، والسرد مع التأمل، والواقعة مع السؤال الفلسفي؛ وقد يرى قارئ متشدد في ذلك خروجًا عن الاقتصاد الروائي الصارم، غير أن هذه الاستطرادات تؤدي وظيفة بنائية واضحة، لأنها تجعل مأساة سعاد قابلة للقراءة خارج حدودها الفردية، وتحولها من واقعة شخصية إلى علامة على مأزق أوسع.
ومن جهة أخرى، فإن حضور السينما في الرواية شديد الدلالة، خصوصًا أن إدريس الروخ فنان ومخرج يعرف كيف تشتغل الصورة على الوعي قبل اللغة، ولذلك فإن بعض المقاطع تُقرأ كما لو أنها مكتوبة بكاميرا خفية، تتقدم، تتراجع، تلتقط التفاصيل، تقطع من وجه إلى وجه، ومن شارع إلى نافذة، ومن حركة إلى صمت؛ وهذا ما يجعل وحدة الزمن والمكان ذات وظيفة تتجاوز التنظيم التقني، إذ إن الانتقال من منتصف الليل إلى الفجر يشبه شريطًا سينمائيًا طويلًا، يبدأ في العتمة ويبحث عن ضوء، فيما تظل إمكانية الخلاص معلقة بين اللقطة الأخيرة واللقطة التي تليها.
أما مشهد المطر واللقاء مع سليمان، فيحمل مناخًا سينمائيًا واضحًا، غير أن أهميته تتجاوز الإحالة إلى فيليني أو غيره؛ المطر هنا يتحول إلى مادة نفسية، والمدينة إلى شاشة، والشخصية إلى كائن يخرج من الصورة كما لو أنه كان مختبئًا داخلها منذ البداية، ولذلك فإن السينما في «الحفرة» ليست زينة ثقافية أو استعراضًا مرجعيًا، وإنما جزء من الجهاز التخييلي للرواية، إذ تتعامل الكتابة مع المكان كما تتعامل الكاميرا مع اللقطة، ومع الجسد كما تتعامل العدسة مع التفاصيل، ومع الصمت كما يتعامل المخرج مع الفراغ.
ويُحسب لإدريس الروخ أنه استطاع الإفادة من خبرته الفنية دون أن يحوّل الرواية إلى سيناريو مقنّع؛ فاللغة تظل حاضرة، والصورة تخدم السرد، والحركة تخدم الإيقاع، والوصف لا يستسلم دائمًا لإغراء الفرجة، وإنما يترك للقارئ مساحة كي يعيد تركيب المشهد في مخيلته، وهذه نقطة مهمة، لأن الرواية التي تستفيد من السينما تحتاج إلى أن تتذكر دائمًا أن الأدب يملك أدواته الخاصة، وأن الصورة الأدبية حين تنجح تستطيع أن تجعل القارئ يرى دون أن تعرض عليه الشاشة نفسها.
وفي مستوى آخر، تطرح الرواية سؤال المدينة التي فقدت قدرتها على مواكبة الزمن، وهي واحدة من أكثر طبقات العمل قابلية للقراءة السوسيولوجية؛ فمكناس تظهر كمدينة معلقة بين مجد تاريخي ثقيل وحاضر مرتبك، بين ذاكرة تستحق الاحترام وواقع يحتاج إلى مساءلة، بين هندسة المكان وهندسة السلطة، ولذلك تصبح «الحفرة» استعارة للمدينة نفسها؛ فهناك مدن تسقط في الحفر التي تصنعها لنفسها، ثم تتعايش معها حتى تصبح الحفرة جزءًا من المنظر العام، ويصبح الاعتياد على الخلل أكثر غرابة من الخلل نفسه.
ومن ثم، فإن السخرية الكامنة في الرواية شديدة البرودة، لأنها لا تحتاج إلى ضحك مباشر؛ يكفي أن نرى مدينة عريقة تملك كل هذا التاريخ ثم نجد حاضرها يركض في الاتجاه المعاكس، ويكفي أن نرى امرأة تهرب من سلطة رجل فتسقط تحت سلطة رجال آخرين، ويكفي أن نرى مكانًا يبيع الوهم تحت أضواء براقة، بينما يقف الفقر خلف الباب ينتظر انتهاء الحفلة؛ هنا تصبح المفارقة الاجتماعية أكثر فتكًا من النكتة، لأن الواقع نفسه يتكفل بإنتاج السخرية.
وما يرفع قيمة الرواية أن إدريس الروخ لا يقدم الشخصيات باعتبارها كائنات مثالية أو شريرة وفق تقسيم أخلاقي مدرسي، وإنما يتركها تتخبط في مناطق رمادية، وإن كان بعض التوصيفات يميل إلى التشديد في رسم القبح، فإن ذلك يخدم في الغالب منطق العالم الروائي الذي يريد أن يجعل القارئ يشعر بالاختناق، وكأن الشخصيات خارجة من لوحة غويا، حيث يتحول المجتمع إلى مسرح للغرائز والندوب والوجوه المشوهة، غير أن هذه المبالغة التشكيلية قد تكون في مواضع معينة أقرب إلى التعبير الرمزي منها إلى التوصيف الواقعي المحض.
وإذا كان ثمة مأخذ نقدي يمكن تسجيله، فإن كثافة الدلالات أحيانًا تكاد تجعل بعض الشخصيات أقرب إلى وظائف رمزية منها إلى ذوات مكتملة التعقيد، ففهد يمثل سلطة الاستغلال، والأب يمثل السلطة الأبوية، وسائق الطاكسي يمثل الأب البديل، وسليمان يمثل احتمال الخلاص الفني، والمدينة تمثل الهامش الحضري المأزوم؛ وهذه البنية تمنح الرواية وضوحًا دلاليًا، لكنها قد تقلل في بعض المواضع من مساحة الالتباس النفسي التي تمنح الشخصية الروائية عمرًا أطول من صفحاتها، ومع ذلك فإن هذا الاختيار يبدو منسجمًا مع طبيعة العمل الذي يشتغل على الرمز والمشهد والتكثيف أكثر مما يشتغل على الاستبطان النفسي الطويل.
ومع ذلك، تبقى القيمة الأساسية للرواية في قدرتها على جمع المتناقضات داخل نسيج واحد؛ العنف إلى جوار الرقة، الجسد إلى جوار الروح، الفن إلى جوار الابتذال، المدينة إلى جوار الهامش، الماضي إلى جوار حاضر متعثر، الضوء إلى جوار العتمة، والرغبة إلى جوار الندم، وهي تناقضات لا تُعرض بوصفها زينة بلاغية، وإنما بوصفها بنية العالم نفسه، إذ إن الإنسان غالبًا لا يعيش في عالم منسجم، وإنما في منطقة ملتبسة تتجاور فيها حاجته إلى الحب مع خوفه منه، ورغبته في الحرية مع اعتماده على الآخرين، وحنينه إلى الماضي مع ضيقه به.
وهنا تتأكد براعة إدريس الروخ في تحويل الليل إلى مختبر سردي؛ فالليل في الرواية زمن تتراخى فيه الرقابة الاجتماعية، وتظهر فيه الوجوه التي تخفيها النهارات، وتتقدم الرغبات من وراء ستائرها، وتصبح المدينة أكثر صدقًا في عتمتها منها في ضوئها الرسمي، ولذلك فإن الانتقال من منتصف الليل إلى الفجر يحمل معنى رمزيًا واضحًا: الرواية تختبر الشخصيات في الساعات التي يظن فيها المجتمع أنه نائم، ثم تكشف أن المجتمع كله مستيقظ داخلها.
ولعل أعمق ما تقوله الرواية أن الإنسان قد يبحث عن حريته بالطريقة التي تعيد إنتاج عبوديته؛ سعاد تغادر الأب فتدخل في شبكة أخرى من الهيمنة، وتبحث عن الفن فتجد الاستغلال، وتطلب النجومية فتجد الاستهلاك، وتبحث عن الحب فتجد الحاجة، وتبحث عن الخلاص فتجد مكانًا يطلب منها أن تدفع ثمن النجاة قبل أن يسمح لها بالحلم بها، ولذلك فإن المأساة هنا لا تتولد من سوء اختيار واحد، وإنما من منظومة كاملة تجعل الاختيار نفسه ملتبسًا، وتحوّل الحرية إلى امتحان قاسٍ لمن لم يمتلك شروطها.
وإدريس الروخ، في هذه المغامرة الروائية، يستحق الإشادة لأنه دخل إلى منطقة شائكة، منطقة يستطيع فيها الكاتب أن يخسر المدينة إذا بالغ في نقدها، وأن يخسر القارئ إذا بالغ في تبريرها، لكنه اختار الطريق الأصعب؛ طريق المحبة الجارحة، والمساءلة القاسية، والتعرية التي لا تستهدف التشهير بقدر ما تستهدف إيقاظ الذاكرة، ولذلك فإن مكناس في «الحفرة» تخرج من وظيفة الديكور وتدخل وظيفة الشاهد، وكأنها تقف أمام مرآة كبيرة وتُجبر على النظر إلى وجهها بعد سنوات من تجنب النظر.
وليس من قبيل المصادفة أن يكون إدريس الروخ فنانًا قبل أن يكون روائيًا في هذا العمل؛ فالنص يحمل حساسية بصرية واضحة، ووعيًا بالإيقاع، واهتمامًا بالتكوين، وبالمشهد، وبالانتقال، وبالصمت، وبالضوء، حتى إن بعض الصفحات تبدو وكأنها تنتظر مخرجًا يضع الكاميرا في موضعها، غير أن المفارقة الجميلة أن صاحب الرواية نفسه يعرف أن الكاميرا لا تكفي، ولذلك يمنح الصورة طبقة لغوية تجعل المشهد قابلًا للتأويل، فتتحول اللقطة إلى فكرة، والفكرة إلى سؤال، والسؤال إلى مرآة.
وفي المحصلة، «الحفرة» رواية عن السقوط أكثر مما هي رواية عن مكان، وعن التعلق أكثر مما هي رواية عن الهروب، وعن المدينة أكثر مما هي رواية عن أفرادها، وعن الإنسان الذي يظن أنه يختار الطريق بينما الطريق، في كثير من الأحيان، يكون قد اختاره قبل أن يخطو خطوته الأولى؛ ولذلك فإن سعاد لا تدخل مكانًا فقط، وإنما تدخل طبقة من الوعي، وتدخل معها مكناس، ويدخل معها القارئ، وتبدأ الرحلة من الخارج نحو الداخل، من الشارع إلى النفس، ومن الضوء إلى العتمة، ومن الرغبة إلى حقيقتها العارية.
وهكذا ينجح إدريس الروخ في بناء عمل يجاور الرواية والسينما والمسرح والتشكيل والفلسفة، من دون أن يذوب كليًا في أي منها، ويمنح مكناس صورة أدبية قاسية، لكنها نابضة، متشظية، مضطربة، حافلة بالندوب والأضواء الكاذبة والومضات الصادقة؛ صورة مدينة لا تطلب من قارئها أن يحبها وفق الكتيبات السياحية، وإنما أن يراها كما هي، بوجهها الموشى بالعراقة وبوجهها الذي أنهكه الإهمال، لأن الجمال الحقيقي، كما يلمح كانط في فلسفته الجمالية، لا يولد دائمًا من اتفاق الجميع على الشيء، وإنما من قدرة التجربة على إيقاظ الحكم والشعور والتأمل.
ومن زاوية نقدية خالصة، يمكن القول إن «الحفرة» لا تراهن على الحكاية وحدها، وإنما على أثر الحكاية في وعي القارئ؛ فهي تترك وراءها أسئلة أكثر مما تترك أجوبة، وتستبدل الاطمئنان بالتوجس، والفرجة بالمساءلة، والتسلية بالانكشاف، وهذه خصيصة الأعمال التي ترفض أن تنتهي مع الصفحة الأخيرة، لأن بعض الروايات تُقرأ ثم تُغلق، وبعضها يظل مفتوحًا داخل القارئ كنافذة في بيت مهجور، يدخل منها هواء قديم كلما تذكرنا ما قرأناه.
لذلك أقرأ «الحفرة» بوصفها عملًا عن مدينة تبحث عن صورتها، وعن امرأة تبحث عن ذاتها، وعن رجال يبحثون عن سلطتهم، وعن فنان يبحث عن مكانه، وعن مجتمع يدفن تناقضاته تحت أضواء لامعة ثم يستغرب لماذا تفوح منه رائحة العتمة؛ وأقرأ إدريس الروخ هنا ككاتب اختار أن ينزل إلى القاع بدل أن يقف على الرصيف، وأن يوسخ يديه بالطين السردي بدل أن يكتفي بتأمل الحفرة من بعيد، وهذه مجازفة فنية تحسب له، لأن الأدب الذي يخاف من المناطق الموحلة ينتهي غالبًا إلى كتابة نصوص نظيفة أكثر مما ينبغي، والنظافة الزائدة في الأدب قد تكون أحيانًا الاسم المهذب لغياب الحياة.
أما القارئ، فله في النهاية أن يقرر ماذا رأى؛ أهو كاباريه؟ أهي مدينة؟ أهي امرأة؟ أهو رجل؟ أهي حفرة؟ أهي مرآة؟ أهو مجتمع يتأمل نفسه في ساعة متأخرة من الليل؟ أم أنها كل هذه الأشياء مجتمعة، وقد اجتمعت في نص واحد كما تجتمع طبقات المدينة في جدار عتيق، طبقة فوق طبقة، وندبة فوق ندبة، وذاكرة فوق ذاكرة… وربما هنا تكمن قوة الرواية الأشد مراوغة: أنها تقنعك في البداية بأنك ذاهب لقراءة حكاية سعاد، ثم تكتشف في آخر الطريق أنك كنت تقرأ عن نفسك وعن مدينتك وعن ذلك الجزء المعتم من الإنسان الذي يظل قائمًا وراء الأضواء، ينتظر فقط أن ينصرف الجمهور حتى يبدأ الكلام.