صمتٌ خلف حُسن الرعاية (2)

0

الإنتفاضة / سمية أحمد نصر  

“رحم الله القلوب التي تتألم في صمت، وأعان كل من ابتُلي بمرض أضعف الجسد، ولم يزد القلب إلا إيمانًا ورضًا” .

 بعد الزيارة الأولى، ثم الثانية، والثالثة، والرابعة، وبعد أن فرضت الحاجة إلى رعاية متخصصة لم يعد البيت، رغم دفئه، قادرًا على توفيرها، بدأت أسأل نفسي سؤالًا لم يفارقني:
هل هؤلاء المسنون، وذوو الاحتياجات الصحية المعقدة، أُودِعوا دور الرعاية قسرًا؟ أم أنهم، بعد رحلة طويلة من الألم، اختاروا بأنفسهم هذا المكان؟ أستثني مرضى الزهايمر في مراحله المتقدمة، فهؤلاء لهم ظروفهم الخاصة وأجنحتهم المغلقة.
كنت أعتقد أن حسن الرعاية لا يمكن أن يعوض دفء الأسرة، لكنني اليوم لم أعد أجزم بذلك. ربما تكون الرعاية الكريمة، رغم قسوة الوحدة، هي الخيار الأقل ألمًا عندما يعجز الجسد، ويصبح الاحتياج أكبر من قدرة الأحبة، مهما كانت نواياهم طيبة.
تساءلت أيضًا عن أولئك الذين عاشوا الحروب في أوروبا، ودافعوا عن الحياة بكل ما يملكون. هل انتهى بهم المطاف إلى دور الرعاية لأنهم خذلهم المجتمع؟ أم أن الله، بلطفه، خفف عنهم وطأة الذكريات بنعمة النسيان؟
لا أملك الإجابة، لكنني أظن أن كثيرين منهم اتخذوا القرار الأصعب… وربما القرار الصحيح من وجهة نظرهم. قرار وُلد بعد صراع طويل مع النفس، وبعد أن استنفدوا كل محاولات الصمود.
عندما يصبح الألم رفيقًا دائمًا، ويعجز الطب عن إعادة الجسد إلى ما كان عليه، تتحول دور الرعاية من فكرة مخيفة إلى ملاذ يوفر ما لم يعد الآخرون قادرين على تقديمه. هناك، لا يفسرون حاجتك على أنها مبالغة، ولا يرون ضعفك ادعاءً، بل يفهمونه بلغة الطب والرحمة، لا بلغة الأحكام المسبقة.
كم هو موجع أن يكون ذنب الإنسان الوحيد أنه لم يعد قويًا كما كان.
يخفي ألمه حتى لا يُتهم باستعطاف الآخرين، أو بالمبالغة، أو بأن الدواء غيّر عقله. يصمت حتى لا يحرج أحدًا، وحتى لا يواجه المقصرون حقيقة تقصيرهم. وفي المقابل، يبرع بعض الناس في صناعة دور الضحية، وتصغير معاناة غيرهم، وكأن الألم لا يكون ألمًا إلا إذا أصابهم هم.
ومع ذلك، إذا مرض أحدهم، ولو بقدر يسير، قامت الدنيا من أجله، أما أنت، فتواصل أداء واجبك، ولا تمنّ على أحد، ولا تعاتب أحدًا، لأن دينك علّمك أن الإحسان لا ينتظر المقابل.
الحياة ابتلاء، وكل الناس يركضون في سباقها. أما المريض، فيشعر أحيانًا أنه أصبح عبئًا في نظر الآخرين، وأن بطء خطواته يؤخر مسيرتهم، فيُحاسب على ما لم يختره، ويُذكَّر به مرة بعد أخرى.
وهنا يتجدد السؤال:
هل الصورة المرعبة التي رسمناها في أذهاننا عن دور الرعاية، هي في الحقيقة انعكاس لما رأيناه من إهمال وتهميش في مجتمعاتنا، لا لطبيعة تلك الدور نفسها؟
ويبقى السؤال الأكثر وجعًا:
ماذا عن دور المسنين والأيتام في كثير من بلاد المسلمين؟
سؤال يعتصر القلب، وإجابته مؤلمة إلى حد يصعب قبوله أو التعايش معه.
ورغم كل شيء…
أحمد الله، حمدًا كثيرًا، على لطفه الذي لا ينقطع، وعلى كرمه الذي يسبق السؤال، وعلى قوته حين تخور قوانا، وعلى جبره حين تنكسر أرواحنا، وعلى قربه حين يبتعد الجميع.
وأحمده لأنه إذا أغلق بابًا بأناس، فتح أبوابًا بأناس أحبونا فيه، فكانوا رحمةً من رحماته، وجبرًا من جبره الجميل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.