الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة
لم تنهِ الخرجة الميدانية التي قام بها النائب الأول لعمدة مراكش، محمد الإدريسي، الجدل المتواصل حول مشروع تهيئة ساحة جامع الفنا، بل فتحت الباب أمام أسئلة جديدة أكثر إحراجاً بشأن المسؤوليات الحقيقية، واحترام بنود الاتفاقية، وطبيعة المواد المستعملة في إنجاز مشروع بلغت كلفته حوالي 16 مليار سنتيم.
خلال تصريحه الأخير، أكد نائب العمدة أن شركة العمران هي الجهة المسؤولة عن الصفقة، موضحاً أن المجلس الجماعي لم يتسلم بعد المشروع لأن الأشغال لا تزال جارية، سواء على مستوى الحنطات أو فضاءات باعة العصائر وغيرهم من المهنيين. كما أرجع جزءاً من التأخر الذي عرفه المشروع إلى التساقطات المطرية التي أثرت، بحسب قوله، على سير الأشغال لأشهر عديدة.
غير أن هذه التوضيحات لم تبدد علامات الاستفهام التي يطرحها المتتبعون للشأن المحلي. فإذا كانت شركة العمران هي صاحبة الإشراف المباشر على المشروع، فما هو الدور الحقيقي للمجلس الجماعي؟ وهل يقتصر اختصاص المنتخبين على المتابعة والمراقبة والتنسيق فقط؟ أم أن المجلس الجماعي يظل صاحب المشروع الأصلي (Maître d’Ouvrage)، بينما تتولى شركة العمران مهمة صاحب المشروع المنتدب (Maître d’Ouvrage Délégué) في إطار اتفاقية محددة المسؤوليات والالتزامات؟
هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، بل ترتبط مباشرة بمسألة المحاسبة السياسية والإدارية، فالمواطن لا يهمه تعدد المتدخلين بقدر ما يهمه معرفة الجهة التي يجب أن تتحمل مسؤولية التأخير والتعثرات المتكررة التي عرفها هذا الورش الكبير.
احترام الاتفاقية أم تجاوزها؟
النقاش الدائر اليوم لا يتعلق فقط بمدة الإنجاز أو كلفته المالية، بل يمتد إلى جوهر المشروع نفسه، فهل تم احترام جميع مقتضيات الاتفاقية المتعلقة بتهيئة ساحة جامع الفنا؟
الساحة ليست فضاءً عادياً يمكن إخضاعه لأي تصور عمراني كيفما كان، بل هي معلمة عالمية مصنفة ضمن التراث الثقافي اللامادي للإنسانية. ولذلك فإن أي تدخل بها يفترض أن يراعي ضوابط دقيقة تتعلق بالهوية البصرية والمواد المستعملة والطابع المعماري والتراثي الذي يميز المكان.
وتزداد حدة الجدل مع تكرار الحديث عن استعمال مواد مستوردة في بعض أجزاء الأرضية الجديدة، بدل الاعتماد على مواد طبيعية ومحلية تعكس الخصوصية المغربية وتحترم روح الموقع التاريخي، وإذا ثبتت صحة هذه المعطيات، فإن السؤال المشروع يصبح: هل تم فعلاً احترام دفتر التحملات والمواصفات التقنية التي تم على أساسها إطلاق المشروع؟
أين الخبراء؟
من بين النقاط التي أثارت استغراب العديد من المتابعين، ظهور نائب العمدة منفرداً تقريباً لتقديم شروحات تقنية مرتبطة بالأشغال والمواد المستعملة ومراحل الإنجاز.
فإذا كانت القضية ذات طابع هندسي وتقني معقد، فلماذا لم يرافقه مهندسو المجلس الجماعي أو ممثلو مكاتب الدراسات أو المسؤولون التقنيون عن المشروع؟ ولماذا غاب ممثلو شركة العمران أو الشركة نائلة الصفقة عن هذه الخرجة التي كان يفترض أن تقدم للرأي العام معطيات دقيقة وموثقة بالأرقام والوثائق؟
إن التواصل المؤسساتي الناجح لا يقوم على التصريحات العامة فقط، بل على تقديم المعطيات التقنية والقانونية التي تمكن المواطنين من تقييم المشروع بشكل موضوعي بعيداً عن لغة التبرير أو التسويق السياسي.
بين التهيئة والحفاظ على الهوية
الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان هي أن الجدل الدائر حول ساحة جامع الفنا لا يعبر عن رفض للتأهيل أو للتطوير، بل يعكس تخوفاً مشروعاً من فقدان الساحة لجزء من هويتها التاريخية والثقافية.
فجامع الفنا ليست مجرد أرضية جديدة أو مشروع تهيئة حضرية، بل هي ذاكرة مدينة بأكملها، وواجهة سياحية للمغرب أمام العالم. وأي خطأ في الاختيارات التقنية أو المعمارية قد تكون له انعكاسات تتجاوز حدود المدينة لتصل إلى صورة التراث المغربي ككل.
لذلك فإن المرحلة الحالية تستوجب قدراً أكبر من الشفافية والوضوح، ونشراً كاملاً للمعطيات المتعلقة بالصفقة وكلفتها وآجالها والمواد المستعملة فيها، مع إشراك الخبراء والفاعلين المدنيين في تقييم نتائج المشروع.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المراكشيون جواباً واضحاً عنه: هل ما تم إنجازه بساحة جامع الفنا ينسجم فعلاً مع روح المكان وتاريخه وشروط المحافظة على قيمته التراثية العالمية، أم أن المدينة أمام تجربة عمرانية ستظل تثير الجدل لسنوات طويلة؟