الانتفاضة/ بقلم : سيداتي بيدا
لم يعد كأس العالم مجرد بطولة رياضية تُتابَع أمام الشاشات، بل تحول إلى حدث قادر على تغيير إيقاع الحياة اليومية وإعادة صياغة قرارات المدن ومواعيدها. فمع انطلاق مونديال 2026 المقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وجدت السلطات المغربية نفسها أمام تحدٍ استثنائي فرضه فارق التوقيت، لتقرر فتح المجال أمام المقاهي والمطاعم لمواصلة نشاطها حتى الرابعة صباحاً.
في مراكش، جاء القرار واضحاً وحاسماً، حيث أعلنت الجماعة الترابية تمديد ساعات عمل المقاهي والمطاعم من 11 يونيو إلى 19 يوليوز 2026، في خطوة تهدف إلى تمكين الجماهير من متابعة مباريات المنتخب المغربي وباقي المواجهات العالمية دون قيود زمنية. أما في مدن أخرى، وعلى رأسها أكادير والرباط، فتتواصل المطالب المهنية والشعبية لاعتماد الإجراءات نفسها، وسط ترقب واسع لقرارات مماثلة خلال الأسابيع المقبلة.
هذا التمديد لا يعكس فقط شغف المغاربة بكرة القدم، بل يؤكد أيضاً حجم التأثير الاقتصادي والاجتماعي الذي أصبح للمونديال داخل المملكة. فالمقاهي والمطاعم تستعد لاستقبال آلاف الزبائن في ساعات متأخرة من الليل، فيما يراهن المهنيون على انتعاشة تجارية قد تعوض جزءاً من التحديات التي واجهها القطاع خلال السنوات الماضية.
لكن الوجه الآخر للقرار يطرح أسئلة لا تقل أهمية. فتمديد النشاط إلى ساعات الفجر يفرض مسؤولية مضاعفة على الجميع، سواء على أصحاب المحلات أو الزبائن أو السلطات المحلية. الحفاظ على السكينة العمومية، واحترام راحة السكان، ومنع مظاهر الفوضى والإزعاج الليلي، كلها رهانات لا تقل أهمية عن نجاح الأجواء الاحتفالية نفسها.
كما فتح القرار باب النقاش حول بعض الممارسات التي تتكرر في المناسبات الكبرى، وعلى رأسها الزيادات غير المبررة في أسعار المشروبات والخدمات. فاستغلال حماس الجماهير لتحقيق أرباح استثنائية على حساب القدرة الشرائية للمواطنين قد يحول المناسبة الرياضية إلى مصدر للاحتقان بدل أن تكون مناسبة للفرح الجماعي.
اليوم، يبدو المغرب وكأنه يعيش على توقيت المونديال. مدن لا تنام، وشوارع تنبض بالحركة حتى الفجر، ومقاهٍ تتحول إلى مدرجات شعبية مفتوحة. وبين الحماس الكروي والمصالح الاقتصادية واحترام النظام العام، يبقى التحدي الحقيقي هو إثبات أن الاحتفال يمكن أن يكون صاخباً في الشغف، ومنضبطاً في السلوك، ومفيداً للجميع دون استثناء.