الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
لو كتب لأحدنا أن يموت، ثم يُمنح فرصة النظر إلى الحياة من بعيد، ليشهد كيف يمضي أهله وأصدقاؤه بعد غيابه، لعلّه يكتشف حقيقة صادمة: أن العالم يستمر، وأن الذكريات تتلاشى، وأن من كان يحسبهم سندًا سرعان ما يعتادون الفراغ الذي تركه.
هذه الفرضية التأملية، التي يطرحها كثيرون في لحظات الوعي بزوال الدنيا، تحمل في طيّاتها سؤالًا وجوديًا عميقًا: هل نحن حقًا بهذه الأهمية التي نتخيلها؟ أم أننا مجرد أرقام عابرة في معادلة الحياة، سرعان ما يُعاد ترتيبها بعد رحيلنا؟
يرى علماء النفس أن الحزن على المفقودين يمر بمراحل، أولاها الصدمة، ثم الحنين، ثم التأقلم، وأخيرًا القبول. وما إن تنتهي مراسم العزاء وتُطوى صفحات الوداع، حتى يعود الأحياء إلى تفاصيل أيامهم، متأقلمين مع الغياب الجديد. ليس قسوة في القلب، بل طبيعة البشر في مقاومة الألم والبحث عن الاستمرار.
وهنا تكمن المفارقة: الإنسان الذي قضى عمره يسعى لإرضاء الناس، ويبني جسورًا من العلاقات الاجتماعية، قد يكتشف بعد موته أن تلك الجسور لم تكن متينة بقدر ما كان يظن. الأصدقاء ينشغلون بحياتهم، والزملاء يستبدلون المقعد الفارغ، وحتى الأقربون قد لا يذكروه إلا في مناسبات الذكرى أو لحظات الحنين العابرة.
لكن الحقيقة الأعمق، التي تشير إليها النصوص الدينية والتجارب الروحية، أن الخوف الحقيقي ليس في أن يُنسى الإنسان، بل في أن يغفل عن العلاقة الأبدية مع خالقه. فالناس ينسون، والدنيا تمضي، ولكن ما يُقدمه المرء من عمل صالح يبقى أثره، وما يبنيه من علاقة روحية صادقة لا تتأثر بمرور الزمن أو انشغال الآخرين.
ليس المطلوب أن يعيش الإنسان منعزلاً أو ساخطًا على محيطه، بل أن يوازن بين حاجته الطبيعية للتواصل الاجتماعي، وبين إدراكه أن الثبات الحقيقي ليس في ذاكرة الناس، بل في ما يضعه من أساس متين مع الله، وفي كل فعل خير يزرع بذوره في هذه الحياة، ليجني ثماره في الأخرى.
ختامًا، ربما لو كُتب لنا أن ننظر من بعيد بعد رحيلنا، لن نموت ميتة ثانية أو ثالثة من الحزن، بل سندرك أننا كنا نضخم مكانتنا في قلوب الآخرين. وربما يكون هذا الإدراك هو أعظم درس في التواضع، والدافع الأقوى لنعيش حياة لا تُقاس بمقدار ما نتركه في قلوب الناس، بل بجودة ما قدّمناه بين يدينا من علاقة مع خالقنا وأثر طيب يبقى بعد فناء الدنيا.