الانتفاضة/ سيداتي بيدا
لم تكن شوارع مراكش في تلك الليلة مسرحاً لحادث عابر، بل تحولت إلى ساحة مطاردة حبست الأنفاس وأثارت موجة واسعة من الاستغراب والقلق. سيارة تابعة للأمن الوطني تقع في قبضة شخص في وضعية غير نظامية، وسياقة متهورة تشق الطرقات بسرعة جنونية، قبل أن تنتهي الرحلة بحادث سير وتوقيف المشتبه فيه بعد ساعات من الاستنفار الأمني.
الواقعة بدأت بالقرب من محطة القطار بمراكش، حيث تمكن المشتبه فيه، المنحدر من إحدى دول إفريقيا جنوب الصحراء، من الاستيلاء على سيارة مصلحة تابعة للأمن الوطني. وما إن انطلقت السيارة حتى تحولت المدينة إلى مسرح لمشاهد أقرب إلى أفلام المطاردات الخطيرة منها إلى الواقع اليومي لمدينة تنعم عادة بالهدوء والاستقرار.
وخلال عملية الفرار، لم يكتف المشتبه فيه بمحاولة الإفلات من الملاحقة الأمنية، بل قاد السيارة بطريقة وصفت بالخطيرة والمتهورة، معرضاً حياة المواطنين ومستعملي الطريق للخطر، ومتسبباً في حالة من الذعر والترقب بين المارة والسائقين. غير أن النهاية جاءت كما كان متوقعاً لكل من يراهن على الفوضى؛ حادثة سير ناجمة عن السرعة المفرطة وضعت حداً للمغامرة، قبل أن تتمكن العناصر الأمنية من توقيف المعني بالأمر واسترجاع السيارة المسروقة.
لكن أهمية هذه القضية لا تكمن فقط في تفاصيلها المثيرة، بل في الرسائل التي تفرضها على النقاش العمومي. فالحادث أعاد إلى الواجهة مخاوف متنامية بشأن بعض السلوكات الإجرامية المعزولة التي تصدر عن فئة محدودة من المهاجرين غير النظاميين، وهي ممارسات تسيء أولاً إلى صورة آلاف المهاجرين الملتزمين بالقانون، لكنها في الوقت نفسه تفرض تشديداً أكبر في مواجهة كل من يهدد الأمن العام.

لقد اختار المغرب، منذ سنوات، نهجاً إنسانياً في تدبير ملف الهجرة، وهو خيار حظي بتقدير دولي واسع. غير أن الانفتاح لا يعني التساهل، والتضامن لا يعني التغاضي عن التجاوزات. فاحترام القانون يظل القاسم المشترك الذي لا استثناء فيه، سواء تعلق الأمر بمواطن أو أجنبي، بمقيم نظامي أو غير نظامي.
وإذا كانت الأجهزة الأمنية قد نجحت في وضع حد سريع لهذه الواقعة، فإن الرسالة الأهم تبقى واضحة: هيبة الدولة ليست قابلة للاختبار، وأمن المواطنين ليس مجالاً للمغامرة. فكل من يعتقد أن بإمكانه العبث بالمؤسسات أو تهديد السلامة العامة سيجد نفسه في مواجهة قانون لا يفرق بين الأسماء والجنسيات، بل يحتكم إلى مبدأ واحد لا غير: لا أحد فوق القانون.