إصلاح الإدارة المغربية في عهد حكومة أخنوش ..

تقدم في الرقمنة ... لكن الإصلاح العميق ما زال مؤجلاً

0

الانتفاضة / د إدريس الفينة

يُعد إصلاح الإدارة المغربية واحداً من أقدم وأصعب الأوراش في مسار تحديث الدولة. فكل الحكومات تقريباً تحدثت عن تبسيط المساطر، محاربة البيروقراطية، تقريب الإدارة من المواطن، تحسين جودة الخدمات، رقمنة المرافق، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ومع ذلك، ظل المواطن المغربي يشعر في علاقته اليومية بالإدارة بأن الإصلاح يتقدم ببطء، وأن النصوص تتغير أسرع مما تتغير العقليات والممارسات.

لذلك، حين نقيم حصيلة حكومة عزيز أخنوش في ورش إصلاح الإدارة، ينبغي ألا نكتفي بالسؤال: هل أطلقت الحكومة منصات رقمية؟ بل يجب أن نطرح سؤالاً أعمق: هل تغيرت فعلاً تجربة المواطن والمقاولة مع الإدارة؟ هل أصبحت الإدارة أسرع، أوضح، أقل كلفة، أكثر إنصافاً، وأقل حاجة إلى الوساطة؟ أم أن الإصلاح بقي في جزء كبير منه إصلاحاً للواجهة، بينما ظل جوهر الإدارة كما هو؟

الجواب المتوازن هو أن حكومة أخنوش حققت تقدماً ملموساً في مجال الرقمنة، تبسيط بعض المساطر، وتوحيد المعلومة الإدارية. لكنها لم تتمكن بعد من إنجاز الإصلاح العميق للإدارة المغربية، لأن هذا الإصلاح يتطلب أكثر من منصة رقمية أو بوابة إلكترونية. إنه يتطلب تغييراً في الثقافة الإدارية، الحكامة، الموارد البشرية، توزيع الاختصاصات، المحاسبة، ونمط العلاقة بين الإدارة والمواطن.

أولاً: ما الذي تحقق فعلاً؟

أبرز تقدم يمكن تسجيله في عهد حكومة أخنوش هو تسريع ورش الرقمنة وربط إصلاح الإدارة بالتحول الرقمي. فقد تم إطلاق استراتيجية Digital Morocco 2030 سنة 2024، وهي استراتيجية تجعل رقمنة الإدارة أحد محاور التحول، إلى جانب الاقتصاد الرقمي، البنيات التحتية، والمهارات. وقد رُصدت لها اعتمادات مهمة خلال المرحلة 2024–2026، حيث تشير معطيات منشورة إلى تخصيص حوالي 11 مليار درهم للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتوسيع البنيات الرقمية. كما أعلنت الوزارة المكلفة بالانتقال الرقمي أهدافاً طموحة، منها مساهمة الذكاء الاصطناعي والرقمنة بحوالي 100 مليار درهم في الناتج الداخلي الخام في أفق 2030، وخلق 50 ألف منصب شغل مرتبط بالذكاء الاصطناعي، وتكوين 200 ألف خريج في مهارات الذكاء الاصطناعي. (Reuters⁠)

كما تحسن موقع المغرب في مؤشر الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية. فقد انتقل من المرتبة 101 سنة 2022 إلى المرتبة 90 سنة 2024 من أصل 193 دولة، أي بتحسن قدره 11 رتبة. هذا مؤشر مهم، لأنه يدل على أن مجهود الرقمنة أصبح مرئياً دولياً، خاصة في الخدمات الإلكترونية والمشاركة الرقمية. (Organisation des Nations Unies⁠)

في مستوى تبسيط المساطر، يشكل ورش قانون 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية إطاراً مهماً. هذا القانون يهدف إلى تعزيز الثقة بين الإدارة والمرتفق من خلال مساطر محددة وشفافة، ويطبق على الإدارات العمومية والجماعات الترابية ومجموعاتها وهيئاتها. كما أن النصوص التطبيقية المتعلقة بالجماعات الترابية صدرت سنة 2023، ما منح الورش امتداداً ترابياً مهماً. (Collectivités Territoriales⁠)

ومن الناحية العملية، أصبحت بوابة إدارتي مرجعاً وطنياً للمساطر والإجراءات الإدارية. وتشير المعطيات الرسمية إلى توفر أكثر من 2700 مسطرة وإجراء إداري على البوابة، مع تحديد آجال للمعالجة في حدود 30 يوماً لمشاريع الاستثمار و60 يوماً لباقي المساطر. هذا تطور مهم، لأن المواطن والمقاولة لم يعودا مضطرين دائماً إلى البحث عن المعلومة داخل دهاليز الإدارات أو عبر العلاقات الشخصية. (Ministère de la Transition Numérique⁠)

كما أن الدولة بدأت تستعمل أدوات رقمية واسعة الأثر: السجل الاجتماعي الموحد، منصة الدعم الاجتماعي، منصة دعم السكن، بعض الخدمات الجبائية، خدمات CNSS، خدمات المحافظة العقارية، خدمات الوثائق الإدارية، ومنصات الاستثمار. هذه الأدوات أظهرت أن الإدارة المغربية قادرة، عندما تتوفر الإرادة السياسية والضغط المؤسساتي، على بناء أنظمة رقمية ذات أثر واسع.

ثانياً: حدود التقدم ، الرقمنة ليست إصلاحاً كاملاً

رغم هذا التقدم، يجب التمييز بين رقمنة الإدارة وإصلاح الإدارة. فقد تنشئ الدولة منصة رقمية، لكنها لا تغير بالضرورة منطق الإدارة. قد يصبح الطلب إلكترونياً، لكن المسطرة نفسها تبقى معقدة. قد تُحمّل الوثائق عبر الإنترنت، لكن المواطن يُطلب منه لاحقاً الحضور أو الإدلاء بنفس الوثائق. قد تكون المعلومة متاحة، لكن القرار يبقى بطيئاً أو غامضاً. هنا تظهر حدود الإصلاح الرقمي عندما لا يرافقه إصلاح تنظيمي وثقافي.

أكبر خطر في ورش الإدارة هو أن تتحول الرقمنة إلى واجهة حديثة لإدارة قديمة. بمعنى أن المواطن يرى موقعاً إلكترونياً، لكنه يكتشف أن عقلية الخدمة لم تتغير. فالمشكل في الإدارة المغربية لا يرتبط فقط بغياب التكنولوجيا، بل بثقافة الشك في المرتفق، وتعدد التوقيعات، والخوف من تحمل المسؤولية، وضعف التفويض، وتداخل الاختصاصات، ومحدودية المحاسبة، والاعتماد المفرط على الوثيقة الورقية أو الشهادة الإدارية.

لقد تحسنت المعلومة الإدارية، لكن لم يتحسن بنفس السرعة منطق القرار الإداري. وما يزال المواطن في حالات كثيرة مطالباً بالتنقل، الانتظار، إعادة تقديم وثائق موجودة لدى إدارات أخرى، أو البحث عن “من يدلّه” على المسار الصحيح. لذلك فإن الحكومة تقدمت في تنظيم واجهة العلاقة مع المرتفق، لكنها لم تنه بعد الحاجة إلى الوساطة، وهي إحدى علامات ضعف الإدارة.

ثالثاً: مشكل الموارد البشرية ، إدارة كبيرة لكنها غير متوازنة

لا يمكن إصلاح الإدارة دون إصلاح الوظيفة العمومية. فالإدارة ليست منصات وقوانين فقط، بل بشر، كفاءات، تحفيز، توزيع ترابي، وتكوين مستمر. في سنة 2025، بلغ عدد موظفي الدولة المدنيين حوالي 576.062 موظفاً، أي ما يقارب 16 موظفاً مدنياً لكل 1000 نسمة. كما انتقل العدد من 585.503 موظفاً سنة 2015 إلى 576.062 سنة 2025، ما يعني أن الكتلة البشرية ظلت كبيرة لكنها لم تتوسع عددياً بشكل كبير. (Finances⁠)

في المقابل، ارتفعت كتلة الأجور بشكل واضح. فقد بلغت نفقات الموظفين حوالي 180 مليار درهم سنة 2025، وتشير توقعات 2026 إلى حوالي 195 مليار درهم. كما بلغ الأجر الصافي الشهري المتوسط في الوظيفة العمومية حوالي 10.600 درهم سنة 2025، مقابل 7.381 درهماً قبل عشر سنوات، أي بزيادة تفوق 40%. (SNRTnews⁠)

هذه الأرقام تطرح سؤالاً كبيراً: هل يتناسب حجم الإنفاق على الإدارة مع جودة الخدمة المقدمة للمواطن؟ الدولة تنفق كثيراً على الأجور، وهذا طبيعي في قطاعات مثل التعليم والصحة والأمن والإدارة الترابية. لكن المواطن لا يقيس الإدارة بحجم كتلة الأجور، بل بجودة الخدمة. فإذا ارتفعت الأجور ولم تتحسن الخدمة بالقدر نفسه، فإن الثقة لا تتقوى.

ثم إن الإدارة المغربية تعاني من اختلالات في التوزيع والكفاءات. هناك إدارات مركزية قوية نسبياً، وإدارات ترابية أو جماعية ضعيفة. هناك قطاعات تعرف خصاصاً حاداً في الموارد البشرية مثل الصحة والتعليم، في حين توجد إدارات أخرى أكثر تشبعاً. وهناك حاجة متزايدة إلى كفاءات رقمية، تحليل البيانات، تقييم السياسات، هندسة المشاريع، والتواصل مع المواطن، وهي كفاءات لا تزال غير كافية داخل عدد من الإدارات.

رابعاً: لماذا لم يتحقق الإصلاح العميق بعد؟

السبب الأول هو أن الإدارة المغربية شديدة التمركز. رغم الجهوية واللاتمركز، ما تزال قرارات كثيرة تُنتج في المركز، بينما تتحمل الجهات والأقاليم والجماعات ضغط التنفيذ. وهذا يجعل المرتفق يعيش أحياناً مفارقة: الخدمة محلية، لكن القرار مركزي؛ المشكل في الإقليم، لكن الحل في الرباط. ما دام التفويض الحقيقي ضعيفاً، ستظل الإدارة بطيئة.

السبب الثاني هو تداخل الاختصاصات. المواطن لا يعرف دائماً من المسؤول: الجماعة، العمالة، الجهة، الوزارة، الوكالة، المؤسسة العمومية، أم شركة التنمية المحلية؟ هذا التداخل يضعف المحاسبة. عندما تتعدد الجهات المسؤولة، يصبح من السهل أن يتهرب كل طرف من المسؤولية. والإصلاح الإداري الحقيقي يبدأ بتحديد واضح: من يفعل ماذا؟ ومن يُحاسب على ماذا؟

السبب الثالث هو ثقافة إدارية ما تزال حذرة. كثير من الموظفين والمسؤولين يخافون من المبادرة أكثر مما يخافون من البطء. في الإدارة المغربية، قد يكون عدم القرار أحياناً أكثر أماناً من القرار. لذلك تتراكم الملفات، وتكثر الإحالات، وتتعقد المساطر. إصلاح الإدارة يتطلب حماية المسؤول النزيه الذي يقرر، لا فقط معاقبة من يخطئ.

السبب الرابع هو ضعف تقييم الأداء. لا توجد دائماً مؤشرات منشورة تقيس جودة الخدمة في كل إدارة: مدة معالجة الطلبات، نسبة الرفض، أسباب الرفض، عدد الشكايات، رضا المرتفقين، كلفة الخدمة، وعدد الوثائق المطلوبة. دون مؤشرات، تصبح الإدارة غير قابلة للمساءلة الدقيقة. وهذا أحد أسباب بطء الإصلاح: لا يمكن تحسين ما لا نقيسه بانتظام.

السبب الخامس هو أن الرقمنة لم تصل بعد إلى مستوى التشغيل البيني الكامل بين الإدارات. الإصلاح الحقيقي هو أن “تتحدث الإدارات مع بعضها” حتى لا يضطر المواطن إلى حمل الوثائق من إدارة إلى أخرى. ما دام المواطن هو الذي ينقل المعلومة بين الإدارات، فنحن لم نصل بعد إلى الإدارة الذكية. البوابة الإلكترونية مهمة، لكنها ليست كافية إذا لم تتكامل قواعد البيانات.

خامساً: هل تقدم الورش أم ما زال مؤجلاً؟

يمكن القول إن ورش إصلاح الإدارة في عهد حكومة أخنوش تقدم في المستوى التقني والرقمي، لكنه ما يزال مؤجلاً في المستوى الثقافي والتنظيمي والمؤسساتي.

تقدم لأن هناك استراتيجية رقمية، تحسن في مؤشر الحكومة الإلكترونية، بوابات وخدمات رقمية، تبسيط لبعض المساطر، وتوحيد للمعلومة الإدارية. وهذه عناصر لا ينبغي التقليل منها. فقد أصبح جزء من علاقة المواطن بالإدارة أسهل مما كان عليه قبل سنوات، خاصة في الخدمات الجبائية، الاجتماعية، السكنية، وبعض الوثائق والإجراءات.

لكنه ما يزال مؤجلاً لأن جوهر الإدارة لم يتغير بما يكفي. المواطن لا يزال يشعر بثقل المساطر، الحاجة إلى التنقل، تعدد المتدخلين، تفاوت جودة الخدمة بين المدن والقرى، ضعف الاستقبال، غموض آجال المعالجة، وأحياناً استمرار منطق “سير حتى تجي”. هذه العبارة الشعبية وحدها تلخص جزءاً من علاقة المغربي بالإدارة: ليس المشكل دائماً في القانون، بل في التجربة اليومية.

سادساً: ما الذي كان يجب أن يحدث؟

كان ينبغي أن ينتقل الإصلاح من الرقمنة الجزئية إلى إعادة هندسة المساطر. أي لا نرقمن المسطرة كما هي، بل نسأل أولاً: هل نحتاج هذه المسطرة أصلاً؟ هل نحتاج هذه الوثيقة؟ هل يجب على المواطن أن يحضر؟ هل يمكن للإدارة أن تحصل على المعلومة من إدارة أخرى؟ هل يمكن اعتماد التصريح بالشرف؟ هل يمكن تقليص التوقيعات؟ هل يمكن أن يصبح الصمت الإداري موافقة في بعض الحالات؟

كما كان ينبغي أن تقترن الرقمنة بإصلاح الموارد البشرية. لا يمكن بناء إدارة رقمية بموظفين غير مكوّنين رقمياً، ولا بإدارات لا تملك محللي بيانات، ولا بمسؤولين لا يشتغلون بالمؤشرات. الإدارة الحديثة تحتاج إلى مهارات جديدة: البيانات، الذكاء الاصطناعي، إدارة المشاريع، التواصل، تحليل المخاطر، وتقييم الأثر.

وكان ينبغي أيضاً أن يصبح رضا المرتفق مؤشراً مركزياً. كل إدارة يجب أن تنشر، ولو سنوياً، لوحة قيادة بسيطة: عدد الطلبات، آجال المعالجة، نسبة الخدمات الرقمية، عدد الشكايات، نسبة الرضا، والإجراءات التي تم تبسيطها. هذا النوع من الشفافية وحده قادر على تحويل الإصلاح من خطاب إلى ضغط مؤسساتي يومي.

حكومة أخنوش إذا تقدمت في مشروع رقمنة الإدارة، لكنها لم تُنجز بعد إصلاح الإدارة كمنظومة ثقافية وتنظيمية. أي أنها حسّنت الأدوات، لكنها لم تغيّر بما يكفي طريقة اشتغال الإدارة نفسها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.