الأحزاب المغلقة لا تصنع المستقبل

الانتفاضة / د ادريس الفينة

عدد من الأحزاب المغربية، رغم تاريخها النضالي ورصيدها السياسي والرمزي، لم تستطع أن تتحول إلى تنظيمات سياسية حديثة قادرة على مواكبة تحولات المجتمع. لقد ظلت، في كثير من الأحيان، أسيرة ماضيها، تعيش على شرعية تاريخية قديمة، وعلى كاريزما قياداتها المؤسسة، وعلى خطابات راديكالية لم تعد قادرة على إنتاج أجوبة حقيقية عن أسئلة الحاضر.

غير أن السياسة اليوم لم تعد تُدار بمنطق الذاكرة وحدها. فالتاريخ النضالي مهم، لكنه لا يكفي. والرصيد الرمزي محترم، لكنه لا يعوض القدرة على التجديد. والأيديولوجيا قد تمنح للحزب هوية، لكنها تصبح عبئا حين تتحول إلى جدار يمنع الإنصات للمجتمع وفهم تحولاته.

الأحزاب التي تنجح اليوم ليست بالضرورة الأحزاب الأقدم أو الأكثر صخبا أو الأكثر تشبثا بشعاراتها القديمة، بل هي الأحزاب المرنة، المنفتحة، القادرة على التقاط نبض المجتمع، واستيعاب طاقاته الجديدة، وفتح أبوابها أمام الكفاءات، والشباب، والنساء، والخبراء، والمقاولين، والفاعلين المدنيين، وكل من يحمل فكرة أو قدرة أو إضافة.

بمنطق العصر الرقمي، يمكن القول إن الحزب الناجح هو الحزب “المفتوح open”؛ أي الحزب القادر على استقبال الأفكار، ومناقشة المقترحات، وتجديد نخبته، وتوسيع قاعدته، دون أن يخضع كل وافد جديد لمحاكمة أيديولوجية أو تاريخية أو نفسية. أما الحزب المغلق، فهو حزب يتحول تدريجيا إلى نادي مغلق، تتحكم فيه الذاكرة أكثر مما تحكمه الرؤية، وتوجهه الحسابات الداخلية أكثر مما توجهه مصلحة المجتمع ومستقبله.

في هذا السياق، يمكن التوقف عند تجربة حزب الأصالة والمعاصرة. فمنذ تأسيسه، تعاقبت عليه قيادات متعددة، واحتضنت أجهزته تيارات مختلفة ومتنوعة الرؤى، واستطاع في مراحل معينة أن يجذب شخصيات من مشارب سياسية ومهنية متنوعة. وهذا، في حد ذاته، كان أحد عناصر قوته: قدرته على أن يكون فضاء سياسيا واسعا، لا حزبا أيديولوجيا مغلقا.

لكن التجربة الحزبية في المغرب تكشف أيضا عن مفارقة مهمة. فقد حدث، في مراحل سابقة، أن شخصيات وطاقات مهمة رغبت في الالتحاق ببعض الأحزاب طوعا، غير أن قيادات تلك الأحزاب وضعت أمامها فيتو الرفض، باسم التاريخ النضالي، أو بدعوى عدم الانسجام الفكري، أو خوفا من اختلال التوازنات الداخلية. والنتيجة أن هذه الأحزاب لم تحمِ نفسها، كما كانت تعتقد، بل حرمت نفسها من دماء جديدة كان يمكن أن توسع تأثيرها وتجدد مشروعها.

الحزب الذي يغلق أبوابه أمام الطاقات الجديدة لا يحافظ على نقائه، بل يسرّع شيخوخته. والحزب الذي يخاف من الاختلاف لا يصنع وحدة قوية، بل ينتج جمودا داخليا. والحزب الذي يبالغ في حماية تاريخه ينتهي أحيانا إلى التضحية بمستقبله.

 

لهذا، فإن بعض الأحزاب التي كانت كبيرة في مرحلة معينة أصبحت اليوم أكثر انكماشا وتراجعا في الساحة والمؤسسات. ليس لأنها فقدت التاريخ، بل لأنها لم تعرف كيف تحوله إلى قوة مستقبلية. وليس لأنها تفتقر إلى المناضلين، بل لأنها لم تستوعب أن السياسة الحديثة تحتاج إلى الانفتاح، والمرونة، والذكاء التنظيمي، والقدرة على إدماج الكفاءات الجديدة بدل إقصائها.

المغرب اليوم لا يحتاج إلى أحزاب تعيش على أمجاد الماضي، بل إلى أحزاب قادرة على إنتاج أفكار جديدة، ونخب جديدة، ولغة سياسية جديدة. فالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع لم تعد تسمح ببقاء الأحزاب كتنظيمات مغلقة، تدور حول قياداتها التاريخية وخلافاتها الداخلية.

إن مستقبل الأحزاب لن يصنعه من يملك ذاكرة أطول، بل من يملك قدرة أكبر على الفهم والتجديد والانفتاح. فالحزب الذي لا ينفتح، ينكمش. والحزب الذي لا يجدد نخبته، يشيخ. والحزب الذي لا يسمع المجتمع، يتجاوزه المجتع.

:::

التعليقات مغلقة.