الإنتفاضة // محمد السعيد مازغ
في المشهد المحلي، تبرز بعض الجمعيات التي باتت تتقن صناعة الخطابات الرنانة، وتنظيم تكوينات ولقاءات بعناوين كبرى تبدو في ظاهرها طموحة وجذابة، لكنها في كثير من الحالات لا تتجاوز حدود الواجهة الإعلامية، دون أن تترك أثراً ملموساً على أرض الواقع.
تُرفع شعارات التنمية، وبناء القدرات، وتمكين الفئات المستهدفة، وتُقدَّم الندوات وكأنها حلول جاهزة لكل الإشكالات الاجتماعية والثقافية والسياسية، بينما يظل الواقع يفضح الفجوة العميقة بين الخطاب والممارسة، وبين ما يُعلن وما يُنجز فعلياً.
وبين دورة تكوينية وأخرى وورشة تدريبية وأخرى، يُهدر المال العام، وتُحتكر المنصات داخل فضاءات عمومية يُفترض أن تكون في خدمة التأطير الحقيقي. وفي المقابل، تتكرر نفس العناوين ونفس الصور ونفس الخطابات ونفس المؤطرين وكأن المدينة الأطر والأساتذة والمختصين، في مشهد يغلب عليه الطابع الاستعراضي أكثر من البناء.
والأخطر من ذلك أن هذا الحراك الشكلي يتم في سياق تغيب فيه أدوار مؤسسات يفترض أن تكون ضامنة للتأطير والتوازن، وعلى رأسها مندوبية الثقافة ومؤسسات الشباب، التي يُفترض أن تضطلع بدور محوري في توجيه الفعل الثقافي والتربوي، لكنها تبدو في كثير من الأحيان غائبة أو محصورة في أدوار إدارية محدودة، تاركة فراغاً واسعاً يُملأ بأنشطة متكررة ضعيفة الأثر. وهكذا يستمر تدوير المشهد نفسه: عناوين كبيرة، قاعات ممتلئة، صور توثيقية، وخطاب متكرر، بينما يظل الشباب—الذي يُفترض أن يكون في قلب هذه السياسات—حاضراً كمتفرج أكثر منه كفاعل، في انتظار أن تتحول الشعارات إلى سياسات فعلية، وأن ينتقل التأطير من منطق الاستعراض إلى منطق التأثير الحقيقي.