الانتفاضة/ أكرام
رفضت محكمة الاستئناف بالرباط، أمس الأربعاء، طلب السراح المؤقت الذي تقدم به دفاع النقيب ووزير حقوق الإنسان الأسبق محمد زيان، المعتقل منذ سنة 2022 على خلفية متابعات قضائية أفضت إلى صدور أحكام سالبة للحرية في حقه، في قضية ما تزال تثير الكثير من الجدل الحقوقي والسياسي داخل المغرب وخارجه.
وعرفت الجلسة حضور عدد من المحامين الذين ترافعوا لفائدة النقيب زيان، يتقدمهم النقيب عبد الرحيم الجامعي والمحامي علي رضا زيان، حيث قدم الدفاع مجموعة من الدفوع القانونية الرامية إلى تمتيع موكلهم بالسراح المؤقت، بالنظر إلى سنه المتقدمة ووضعه الصحي، فضلا عن ما اعتبروه اختلالات مسطرية شابت مسار القضية.
وركز الدفاع خلال مرافعته على مقتضيات قانون المسطرة الجنائية، التي تنص على ضرورة أن تكون الأحكام القضائية محررة قبل النطق بها أو داخل أجل أقصاه ثمانية أيام، معتبرا أن هذا الشرط لم يتم احترامه في ملف النقيب محمد زيان، وهو ما يشكل، بحسب هيئة الدفاع، خرقا قانونيا يستوجب إعادة النظر في المسطرة المتبعة.
ورغم هذه الدفوع، قررت المحكمة رفض طلب السراح المؤقت، ليظل النقيب زيان رهن الاعتقال، في انتظار ما ستسفر عنه باقي مراحل التقاضي المرتبطة بالملفات المعروضة أمام القضاء.
ويعد محمد زيان من أبرز الأسماء السياسية والحقوقية بالمغرب، حيث سبق له أن تقلد منصب وزير حقوق الإنسان، كما راكم مسارا طويلا في مهنة المحاماة والعمل السياسي، واشتهر بمواقفه المثيرة للجدل وانتقاداته الحادة للعديد من القضايا المرتبطة بالشأن العام وحقوق الإنسان والحريات.
وكان النقيب زيان قد أدين ابتدائيا بخمس سنوات حبسا نافذا، قبل أن يتم تخفيض العقوبة استئنافيا إلى ثلاث سنوات. غير أن محكمة النقض قررت لاحقا نقض القرار الاستئنافي وإعادة الملف إلى محكمة الاستئناف بالرباط للبث فيه من جديد. وفي الثامن من أبريل 2026، أصدرت المحكمة حكما جديدا يقضي بسجنه خمس سنوات نافذة، على خلفية تهم تتعلق بـ”اختلاس وتبديد أموال الحزب المغربي الحر”.
وتثير هذه القضية منذ بدايتها نقاشا واسعا داخل الأوساط الحقوقية والسياسية، حيث تعتبر جهات حقوقية وهيئات مدنية أن متابعة محمد زيان تحمل أبعادا سياسية، خاصة بالنظر إلى مواقفه المنتقدة للسلطات وتاريخه السياسي والحقوقي. في المقابل، تؤكد السلطات أن القضية ذات طابع جنائي صرف، وأن القضاء يمارس مهامه باستقلالية تامة بعيدا عن أي اعتبارات سياسية.
وخلال السنوات الأخيرة، أصدرت عدة منظمات حقوقية وطنية ودولية بيانات تطالب بالإفراج عن النقيب محمد زيان، معتبرة أن استمرار اعتقاله، رغم تقدمه في السن ومعاناته الصحية، يثير تساؤلات حول الوضع الحقوقي بالمغرب. كما دعت هذه الهيئات إلى فتح صفحة جديدة عنوانها الانفراج السياسي واحترام حرية التعبير والرأي.
وفي السياق ذاته، تتواصل الدعوات المطالبة بالإفراج عن معتقلي الرأي والحراكات الاجتماعية، حيث ترى فعاليات حقوقية أن المرحلة الحالية تستدعي تعزيز الثقة في المؤسسات وتوسيع هامش الحريات وإطلاق مبادرات للمصالحة والانفراج السياسي، بما يساهم في تقوية صورة المغرب الحقوقية داخليا وخارجيا.
ويبلغ محمد زيان من العمر 84 سنة، وهو ما يجعل ملفه يحظى بمتابعة خاصة من قبل الرأي العام، خصوصا في ظل الحديث عن وضعه الصحي وحاجته إلى رعاية طبية مستمرة. ويعتبر عدد من المتابعين أن الجانب الإنساني يجب أن يكون حاضرا بقوة في التعاطي مع هذا الملف، بغض النظر عن المواقف السياسية أو القانونية المرتبطة بالقضية.
في المقابل، يرى متابعون آخرون أن احترام استقلالية القضاء يظل مبدأ أساسيا في دولة المؤسسات، وأن الأحكام القضائية يجب أن تناقش داخل الإطار القانوني والقضائي، بعيدا عن أي ضغوط أو تأويلات سياسية. ويؤكد هؤلاء أن القضاء المغربي يتيح مختلف درجات التقاضي والطعون القانونية، بما يضمن حقوق المتقاضين في الدفاع والمحاكمة العادلة.
وتسلط قضية محمد زيان الضوء مجددا على النقاش المتواصل بالمغرب حول التوازن بين تطبيق القانون واحترام الحقوق والحريات، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات سياسية وحقوقية بارزة. كما تعكس هذه القضية حجم التحديات المرتبطة بملفات الرأي والتعبير وحدود النقد السياسي في السياق المغربي.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على عدة احتمالات، سواء على المستوى القضائي أو الحقوقي، في ظل استمرار التضامن مع النقيب زيان من قبل عدد من الهيئات والشخصيات، مقابل تمسك الجهات الرسمية بمسار القضاء وقراراته.
وفي انتظار التطورات القادمة، يبقى ملف النقيب محمد زيان واحدا من أكثر الملفات التي أثارت اهتمام الرأي العام المغربي خلال السنوات الأخيرة، لما يحمله من أبعاد قانونية وحقوقية وسياسية وإنسانية متداخلة، تعكس طبيعة النقاش العمومي حول العدالة والحريات وحقوق الإنسان بالمغرب.