التشهير قبل المحاكمة..معركة حقوقية للدفاع عن كرامة المتابعين قضائيا

الانتفاضة/ سلامة السروت

أعادت الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان إلى واجهة النقاش العمومي قضية بالغة الحساسية تتعلق بحماية حقوق الأفراد خلال مراحل البحث والتحقيق والمتابعة القضائية، وذلك من خلال نداء عاجل وجهته إلى المدير العام للأمن الوطني والنيابة العامة، دعت فيه إلى التصدي بحزم لظاهرة التشهير الإعلامي بالمشتبه بهم أثناء عمليات الاعتقال أو خلال مراحل المتابعة القضائية. ويأتي هذا النداء في سياق يتسم بتنامي انتشار المحتوى الرقمي وتزايد اعتماد بعض المنابر الإعلامية وصناع المحتوى على تغطية عمليات التوقيف ونشر صور وأسماء الأشخاص المشتبه فيهم قبل صدور أي حكم قضائي نهائي، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول مدى احترام مبدأ قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.

وتؤكد الهيئة أن صيانة كرامة الإنسان وحماية حقوقه الأساسية ليست مجرد شعارات قانونية أو مبادئ نظرية، بل هي التزامات دستورية وقانونية تقع على عاتق جميع المؤسسات والفاعلين، سواء كانوا جهات رسمية أو وسائل إعلام أو أفرادا ينشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي. فالمتهم، وفقا للقواعد القانونية المعمول بها وطنيا ودوليا، يبقى بريئا إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، وهو مبدأ يشكل أحد أهم ركائز العدالة الجنائية الحديثة.

وفي السنوات الأخيرة، شهد الفضاء الرقمي المغربي توسعا ملحوظا في ظاهرة البث المباشر والتغطيات الفورية للأحداث الأمنية والقضائية، حيث باتت بعض الصفحات والحسابات المتخصصة في الأخبار تعتمد على نشر صور الموقوفين ومقاطع فيديو توثق لحظة اعتقالهم أو اقتيادهم إلى مراكز الشرطة، وغالبا ما يتم تقديمهم للرأي العام باعتبارهم مذنبين قبل استكمال إجراءات التحقيق أو صدور أحكام القضاء. هذه الممارسات، رغم ما قد تحققه من نسب مشاهدة وتفاعل مرتفعة، تطرح إشكالات أخلاقية وقانونية عميقة تتعلق بحقوق الأفراد وسمعتهم وحياتهم الخاصة.

ويكمن الخطر الأكبر في أن التشهير بالمشتبه بهم لا يقتصر أثره على الشخص المعني وحده، بل يمتد ليشمل أسرته ومحيطه الاجتماعي والمهني. فكثير من الأشخاص الذين يتم تداول صورهم وأسمائهم على نطاق واسع قد يثبت لاحقا أنهم أبرياء أو يتم حفظ ملفاتهم أو تبرئتهم من قبل القضاء، غير أن الضرر المعنوي والاجتماعي الذي يلحق بهم يكون قد وقع بالفعل، وقد يصعب جبره أو محوه من الذاكرة الجماعية أو من محركات البحث والمنصات الرقمية التي تحتفظ بالمحتوى لفترات طويلة.

ومن هذا المنطلق، شددت الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان على أن حماية حقوق المتابعين أمام القضاء ليست ترفا قانونيا كما قد يعتقد البعض، بل هي ضرورة أساسية لضمان عدالة الإجراءات القضائية وصون كرامة الإنسان. كما انتقدت بشدة ما وصفته بتنصيب بعض الجهات نفسها مقام القضاء، من خلال إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص الموقوفين أو تقديمهم للرأي العام في صورة المدانين قبل استنفاد جميع مراحل التقاضي.

ويعتبر خبراء القانون أن قرينة البراءة ليست مجرد قاعدة إجرائية، بل هي ضمانة أساسية لحماية الأفراد من التعسف ومن الأحكام المسبقة. فحين يتحول الرأي العام إلى محكمة موازية، تتعرض العدالة لضغوط قد تؤثر في سير الإجراءات أو في صورة المتهم داخل المجتمع، مما يهدد مبدأ المساواة أمام القانون ويضعف الثقة في المؤسسات القضائية. ولذلك تحرص الأنظمة الديمقراطية على وضع ضوابط دقيقة لتنظيم التغطية الإعلامية للقضايا الجنائية بما يضمن حق الجمهور في المعرفة دون المساس بحقوق الأطراف المعنية.

كما أثارت الهيئة مسألة ملاحقة الأشخاص المفرج عنهم مؤقتا بالكاميرات ومحاصرتهم بالأسئلة والاستفزازات الإعلامية، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل اعتداء مباشرا على الكرامة الإنسانية وعلى الحق في الخصوصية. فالإفراج المؤقت لا يعني الإدانة، بل هو إجراء قانوني يتيح للشخص متابعة مساره القضائي في ظروف معينة، ومن ثم فإن التعامل معه باعتباره مذنبا يشكل خرقا واضحا للمبادئ القانونية والأخلاقية.

ويرى متابعون للشأن الحقوقي أن الظاهرة أصبحت أكثر تعقيدا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت لأي شخص إمكانية نشر المعلومات والصور والفيديوهات على نطاق واسع وفي وقت قياسي. وفي كثير من الأحيان، تنتشر الأخبار المتعلقة بقضية معينة بسرعة كبيرة، مصحوبة بتعليقات وأحكام قاسية، قبل أن تتاح للجهات المختصة فرصة تقديم المعطيات الدقيقة أو توضيح ملابسات الواقعة. وهذا الواقع الجديد يفرض تحديات كبيرة على المؤسسات المكلفة بحماية الحقوق والحريات، كما يستدعي تطوير آليات قانونية وتوعوية قادرة على مواكبة التحولات الرقمية.

وفي المقابل، يظل الحق في الإخبار وتنوير الرأي العام من الحقوق الأساسية التي لا يمكن تجاهلها أو الحد منها بشكل تعسفي. فالإعلام يؤدي دورا محوريا في نقل المعلومات وكشف الاختلالات ومراقبة أداء المؤسسات، غير أن ممارسة هذا الحق يجب أن تتم في إطار احترام القواعد المهنية والأخلاقية التي توازن بين حرية التعبير وحقوق الأفراد.

ومن هنا تبرز أهمية تعزيز أخلاقيات المهنة الإعلامية وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان داخل المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية. كما أن التكوين المستمر للصحافيين وصناع المحتوى في مجال القانون وحقوق الإنسان يمكن أن يسهم في الحد من الانتهاكات المرتبطة بالتشهير والإدانة المسبقة. إلى جانب ذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى تفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، وضمان تطبيقها بشكل صارم على كل من يثبت تورطه في انتهاك حقوق الأفراد.

إن النداء الذي أطلقته الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان يعكس مخاوف متزايدة من تحول بعض الممارسات الإعلامية والرقمية إلى ما يشبه محاكم موازية تصدر أحكامها خارج إطار القانون والمؤسسات. كما يعبر عن الحاجة إلى إعادة التأكيد على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القضائي، وفي مقدمتها قرينة البراءة واستقلال القضاء واحترام الكرامة الإنسانية.

وفي ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها المجال الرقمي، يبقى التحدي الأكبر أمام السلطات والمؤسسات الإعلامية والفاعلين الحقوقيين هو إيجاد توازن دقيق بين حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات وحق الأفراد في حماية سمعتهم وخصوصيتهم. فالديمقراطية الحقيقية لا تقاس فقط بمدى اتساع هامش حرية التعبير، بل أيضا بقدرتها على حماية الحقوق الأساسية لكل فرد وضمان عدم تحويله إلى ضحية لمحاكمة إعلامية أو شعبوية تسبق حكم القضاء. ومن ثم فإن تعزيز ثقافة احترام القانون والالتزام بأخلاقيات النشر يظل السبيل الأمثل لبناء فضاء إعلامي مسؤول يساهم في ترسيخ العدالة وصون كرامة الإنسان.

التعليقات مغلقة.