علمنا الذي مُزِّقَ هناك .. لم يكن قطعة قماش وما ينبغي له…

مُزِّق العَلَمُ الوطني هناك في إسبانيا .

0

الإنتفاضة     // أحمد بومعيز .

مُزِّق العَلَمُ الوطني هناك في إسبانيا .

وفي مكان ما، لا بد أن أحدهم قال: إنها مجرد قطعة قماش!!؟؟

لكن الأعلام لا تقاس بعدد الخيوط التي تخيطها، بل بما تحمله وما تمثله من تاريخ و أحداث ورمزية وقدسية تجسد ذات الوطن .

هناك ، غير بعيد عنا ،وفي الضفة الأخرى، خرج الإسبان إلى الشوارع هائجين كثيران الكوريدا . لم يسألوا كثيراً إن كان التاريخ على حق أم على خطأ. ولم يتأكدوا من سر الرواية وتأويلها . ولم يتجادلوا طويلاً حول المصطلحات وجدوى تفسير الايديولوجيا . هم كانوا كلهم يدافعون عما يعتبرونه مصلحة وطنية ، حتى وإن كان ذلك يعني الدفاع عن آخر شرفات الاستعمار المطلة على ديارنا وعلى البحر الذي لم يعد متوسطا.

 

…وهنا في وطننا غير بعيد عن وطن اسبانيا وجغرافيتها الممتدة فينا احتلالا ممتدا ، فقد بدأ النقاش من جديد ولم يبدأ !!، كأننا أمةٌ لا تلتقي إلا عند نقطة الخلاف.

هنا الأحزاب تَعُدُّ المقاعد قبل أن تَعِدَّ الأسئلة، والجوقات تُجرّب مكبرات الصوت قبل أن تبحث عن المعنى. أما المواقف، فتخرج دافئة كأرغفة الخبز، ثم تبرد سريعاً على موائد التأويل…

وهنا أيضا ، يذكر التاريخ ، تاريخنا ، بعض اليساريين المُحنَّطين بحنوط قرنٍ مضى ، يفتشون في دفاتر النظريات عن وطنٍ يناسب النصوص، بدل أن يفتشوا في النصوص عن وطنٍ يناسب أهل الوطن .هم هنا بيننا يشككون في وحدة ذات الوطن كما لو أنهم يصححون امتحاناً قديماً، بينما الجغرافيا خارج هديانهم تواصل كتابة أجوبتها على الأرض.

وهناك، وراء البحر، يختلفون في أشياء كثيرة، لكن حين يتعلق الأمر بما يعتبرونه شأناً وطنياً، يصطفون كجدارٍ واحد.

وهنا، ما زال بعضنا يناقش الجدار، والحجارة، والظل، وإيران…وأشياء أخرى وينسى البيت والوطن.

هكذا … لم تكن ولن تكون الحكاية حكاية عَلَمٍ مُزِّق.

هي كانت صفعة.

صفعةٌ أظهرت علنا كيف يدافع الآخرون عن روايتهم، حتى حين تكون روايةً استعمارية..

 وكيف نجح بعضنا في تحويل البديهيات إلى مواضيع للنقاش . والقضايا الوطنية إلى هوامش ايديولوجية.

وفي انتظار ما سيأتي، ومن سيأتي، وبأي أرض سيمزق علمنا ، سيبقى الوطن عند الباب. لا يجلس إلى الطاولة، ولا يشارك في النقاش. سيبقى هناك، تحت مطرٍ حامض ومر مرورة علقم الخدلان، يراقب الداخلين والخارجين، ويصغي إلى الخطب المتهالكة تعبا ونفاقا وجهلا وهي تتعاقب كالفصول. 

وحين تُطفأ الأضواء ، وتُطوى اللافتات، ويغادر الجميع ، سيكتشف آخرُ المتأخرين أن الوطن لم يكن جالساً بينهم قط، بل كان ينتظرهم في الخارج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.