الانتفاضة / شاكر ولد الحومة
خمس رسائل خطيرة في تسريب يرسم ملامح ما بعد الانتخابات، وليست كل التسجيلات السياسية مجرد كلمات عابرة، فأحياناً تفلت جملة واحدة من بين الكلام فتقول أكثر مما تقوله البلاغات الرسمية والخطب الطويلة.
والتسجيل الصوتي المتداول الذي أثار جدلاً واسعاً لا ينبغي، في رأيي، اختزاله فقط في الحديث عن فوزي لقجع ووزارة المالية، ولا في لغة التوعد التي أثارت اهتمام الجميع.
فبعد الاستماع إلى التسجيل مرات عديدة، يمكن استخراج خمس رسائل سياسية مهمة. وهي ليست حقائق نهائية ولا أسراراً مؤكدة، بل قراءة سياسية لما قيل وما يمكن أن تعنيه الكلمات في سياق انتخابات تبدو، منذ الآن، أكثر سخونة وتعقيداً مما يتوقع الكثيرون.
1- الرسالة الأولى: «وخا نكونو حنا التانيين»… لماذا الرتبة الثانية؟
هذه، في رأيي، أخطر جملة في التسجيل.
-حين يقول المتحدث:
«وخا نكونو حنا التانيين…»
فإن السؤال يفرض نفسه:
– لماذا يتحدث عن المرتبة الثانية؟
لماذا لا يقول:
-عندما نأتي أولاً؟
-عندما نفوز؟
-عندما نحافظ على الصدارة؟
طبعاً، يمكن أن يكون الأمر مجرد نقاش عادي حول مختلف السيناريوهات الانتخابية، وهذا أمر طبيعي داخل أي حزب سياسي.
– لكن حضور احتمال المرتبة الثانية بهذه الصراحة يكشف، على الأقل، أن قيادة الأحرار لا تستبعد احتمال تغير موازين القوى.
-بل قد نفهم من ذلك أن الحزب يضع في حساباته احتمال فقدان جزء من مقاعده، مع الحفاظ على موقع متقدم في الخريطة السياسية، وربما تجاوز بعض منافسيه، وعلى رأسهم حزب الاستقلال.
-هل يتعلق الأمر بواقعية سياسية؟
-أم بقلق انتخابي؟
-أم بمعطيات داخلية لا تصل إلى الرأي العام؟
لا يمكن الجزم.
لكن المؤكد أن عبارة «وخا نكونو حنا التانيين» ليست مجرد تفصيل عابر. إنها جملة فتحت الباب أمام سؤال كبير:
-هل بدأ الأحرار يستعدون نفسياً وسياسياً لاحتمال ألا يكونوا القوة الأولى بعد الانتخابات؟
2- الرسالة الثانية: إذا جاء البام أولاً… 2- فمن يقود الحكومة؟
الرسالة الثانية لا تقل أهمية.
إذا كان سيناريو تصدر حزب الأصالة والمعاصرة حاضراً في الحديث، فإن السؤال الطبيعي يصبح:
-من سيكون رئيس الحكومة؟
هنا يظهر الفرق بين موقع فاطمة الزهراء المنصوري وموقع فوزي لقجع.
-فالمنصوري، بحكم موقعها داخل الحزب ومسارها التنظيمي وشرعيتها السياسية، تبدو مرشحة طبيعية لقيادة الحكومة إذا تصدر البام الانتخابات واستطاع تشكيل أغلبية.
-أما لقجع، فتبدو صورته مختلفة.
رجل الملفات الكبرى، والكفاءة، والتدبير، والخبرة في مؤسسات ومشاريع معقدة. ولذلك فإن مجرد طرح اسمه في علاقة بحقيبة مثل وزارة المالية يفتح الباب أمام قراءة تقول إن الرجل قد يمثل، في أي حكومة محتملة، ورقة الكفاءة والملفات الاستراتيجية أكثر من كونه منافساً مباشراً على رئاسة الحكومة.
-وهذا لا يعني أن شيئاً حُسم داخل البام، ولا أن هناك قراراً معلناً بشأن رئاسة الحكومة.
-لكنه يكشف سؤالاً قد يصبح أساسياً إذا اقترب الحزب فعلاً من المرتبة الأولى:
من يقود المرحلة:
-صاحب الشرعية الحزبية أم من يملك رصيد الكفاءة والتدبير؟
3- الرسالة الثالثة: هل انتهى شهر العسل بين الأحرار والبام؟
هذه ربما الرسالة الأكثر وضوحاً من السياق السياسي العام.
الأحرار والبام شريكان في الحكومة اليوم، لكن كل المؤشرات توحي بأنهما دخلا مرحلة جديدة.
-الاستقطابات.
-انتقال المنتخبين.
-حدة الخطاب.
-الصراع على المواقع.
-ثم هذه التسجيلات والكلمات المتبادلة.
كل ذلك يوحي بأن حليفَي الأمس يستعدان ليصبحا خصمي الغد.
وإذا وصل أحدهما إلى المرتبة الأولى، فقد تكون المعركة الحقيقية هي:
-كيف يشكل الحكومة من دون الحزب الآخر؟
وهنا تصبح الأحزاب الأخرى مفتاح اللعبة:
الاستقلال، الحركة الشعبية، العدالة والتنمية، وربما الاتحاد الاشتراكي.
طبعاً، كل شيء يبقى مرتبطاً بنتائج الانتخابات، فلا أحد يستطيع اليوم رسم الحكومة المقبلة على الورق.
لكن ما يبدو ممكناً هو أن نرى تحالفات جديدة، وأن يصبح تشكيل الأغلبية أكثر تعقيداً من مجرد حصول حزب على المرتبة الأولى.
-فالفوز شيء.
-وتشكيل الحكومة شيء آخر.
وقد نصل إلى وضع يكون فيه الحزب الأول عاجزاً عن تشكيل أغلبية، بينما ينجح حزب آخر في جمع حلفاء متفرقين حول مشروع حكومي.
4-الرسالة الرابعة: داخل البام… الأحقية أم الكفاءة؟
هنا ندخل إلى منطقة أكثر حساسية.
-لا يمكن القول إن هناك صراعاً معلناً بين فاطمة الزهراء المنصوري وفوزي لقجع، لأن مثل هذا الحكم يحتاج إلى تصريحات أو أدلة واضحة.
-لكن يمكن طرح سؤال سياسي مشروع:
إذا تصدر البام الانتخابات،
-فهل سيكون معيار اختيار قيادة المرحلة هو الأحقية الحزبية أم الكفاءة والقدرة على التدبير؟
-المنصوري تمثل الشرعية الحزبية والمسار التنظيمي والقيادة السياسية داخل الحزب.
-أما لقجع، فيمثل، في نظر كثيرين، نموذج الرجل المرتبط بالتدبير والنتائج والملفات الكبرى.
وهنا لا نتحدث عن صراع بين شخصين، بل عن تنافس محتمل بين منطقين سياسيين:
-منطق يقول إن من أفنى سنوات داخل الحزب وامتلك الشرعية التنظيمية هو الأحق بالقيادة.
-ومنطق آخر يرى أن المرحلة الاستثنائية تحتاج إلى الكفاءة والقدرة على إدارة ملفات بحجم المرحلة المقبلة.
وقد يصبح هذا السؤال أكثر حضوراً إذا اقترب البام فعلاً من قيادة الحكومة.
5- الرسالة الخامسة: كنا ننتظر حكومة المونديال…
فإذا بنا أمام حكومة كأس إفريقيا!
وهنا نصل إلى أكثر الرسائل رمزية.
كان كثيرون يتحدثون عن الانتخابات المقبلة باعتبارها ستفرز حكومة المونديال.
-حكومة مرحلة 2030.
-حكومة المشاريع الكبرى.
-المطارات والطرق والبنيات التحتية والاستثمارات والملاعب والسياحة.
لكن السياسة لا تسير دائماً وفق السيناريو الذي يرسمه السياسيون.
فإذا كانت الخريطة الحزبية مقبلة على تغييرات كبيرة، وإذا كانت التحالفات نفسها ستدخل مرحلة جديدة، فقد تكون الحكومة المقبلة حكومة انتقالية أكثر مما نتصور.
ولهذا يمكن أن نقول، بشيء من المفارقة:
-كنا ننتظر حكومة المونديال…
فإذا بنا ربما أمام حكومة كأس إفريقيا!
أي حكومة تأتي لتدبير أول محطة كبرى، ثم تجد نفسها أمام إعادة ترتيب سياسي وحكومي قبل الوصول إلى المحطة العالمية الأكبر.
وقد تكون هذه الجملة مجرد صورة سياسية، لكنها تعبر عن حقيقة مهمة:
المغرب مقبل على مرحلة انتخابية قد تكون أكثر تقلباً مما نعتقد.
-التسجيل انتهى…
لكن الأسئلة بدأت
في النهاية، قد يكون التسجيل مجرد دقائق من الحديث.
لكن أحياناً لا تكمن أهمية الكلام فيما قيل فقط، بل في ما كشفه من طريقة تفكير، ومن سيناريوهات، ومن احتمالات كانت الأحزاب تفضل أن تبقى خلف الأبواب المغلقة.
-هل بدأ الأحرار فعلاً يستعدون لاحتمال المرتبة الثانية؟
-هل يستعد البام لسيناريو قيادة الحكومة؟
-هل انتهى التحالف الحقيقي بين الحزبين؟
-من سيكون حليف من؟
-وهل سنرى الاستقلال والحركة والعدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي في مواقع جديدة لم تكن متوقعة؟
-أما داخل البام، فقد يصبح السؤال الأهم:
-الأحقية أم الكفاءة؟
ثم يبقى السؤال الأكبر الذي لا يملك التسجيل جواباً عنه:
من سيحكم المغرب بعد الانتخابات؟
الأحرار؟
البام؟
تحالف جديد؟
أم أغلبية ستفاجئ الجميع؟
الجواب لن يكون في تسجيل صوتي.
ولا في التوعد.
ولا في توزيع الوزارات قبل أوانها.
سيكون في المكان الوحيد الذي يملك فيه السياسيون جميعاً حجماً واحداً أمام إرادة الشعب:
صناديق الاقتراع.
لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً:
الانتخابات لم تبدأ رسمياً بعد..
أما الحرب السياسية فقد بدأت فعلاً