فضيحة استغلال قطاع الصيد البحري لاستمالة أصوات البحارة والتلاعب بمقررات رسمية

الانتفاضة 

في الوقت الذي تقتضي فيه حكامة تدبير الثروة السمكية الاحتكام إلى المعايير العلمية الخالصة والمصلحة الوطنية المستدامة، يبرز قطاع الصيد البحري ليقدم صورة صارخة عن توظيف الإدارة العمومية في خدمة أجندات حزبية ضيقة، وتحويل مقدرات الدولة إلى ضيعة سياسية خاصة بحزب التجمع الوطني للأحرار.

فبين ليلة وضحاها، تتحول المقررات الوزارية المتعلقة بتنظيم الصيد وإقفال المصايد من أدوات لحماية المخزون السمكي إلى ورقة مناورة انتخابية تستهدف كسب ود الكتلة الناخبة، في سياق يعيد إلى السطح ممارسات الزبونية السياسية المنسوبة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، وبإشراف مباشر من كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، بصفتها عضو في المكتب السياسي لحزب «الأحرار»، والتي تتولى تسيير دواليب الوزارة وفق منطق الولاءات الحزبية على حساب المصلحة العامة. وتؤكد الوثائق الرسمية الصادرة عن كتابة الدولة وجود ارتباك واضح في توقيت ومضامين القرارات التنظيمية قبيل موعد استحقاق 23 شتنبر، مما يقدم صورة عن تخبط مقصود يخدم هندسة الانتخابات.

فإثر صدور المقرر الوزاري رقم PLP-09/26 بتاريخ 24 غشت 2026، الذي حدد تاريخ منع صيد الأخطبوط والشروط المرتبطة به ابتداء من فاتح شتنبر، فوجئ الفاعلون في القطاع بصدور مقرر جديد يحمل رقم PLP-10/26 بعد ثلاثة أيام، بتاريخ 27 غشت 2026.

هذا التعديل السريع شمل تقليص مسافة المنع من 20 إلى 18 ميلا بحريا، إلى جانب تمديد فترة النشاط والمهلة إلى غاية 10 شتنبر بدل فاتح شتنبر، وسط غياب توضيحات علمية مفصلة تفسر هذا التحول وتنسجم مع التوجيهات الأصلية للكتلة الحية للمخطط، وهو التغيير المفاجئ الذي يكشف المنطق الانتخابي لمسؤولة حكومية حزبية تسخر موقعها الحكومي لإرضاء اللوبيات التابعة لحزبها على حساب الأمن البيئي والمائي للبلاد.ويأتي هذا الارتباك الإداري داخل سياق زمني مرتبط بالانتخابات المقررة في 23 شتنبر، حيث يصبح الإيقاع المهني للقطاع أداة طيعة في يد حزب التجمع الوطني للأحرار للتحكم في حركة آلاف البحارة والعاملين في القطاع بعدد من أقاليم المملكة، إذ إن تغيير تواريخ توقف نشاط الصيد الساحلي وأعالي البحار يعيد ترتيب موعد رجوع البحارة إلى مدنهم ومناطقهم الأصلية، بما يجعل هذا التحول متزامنا بدقة مريبة مع ذروة الحملة الانتخابية.

ويمنح هذا التدفق البشري للبحارة نحو مناطقهم الأصلية بعدا سياسيا استغلاليا، بالنظر إلى الوزن الانتخابي الذي تمثله هذه الفئة في عدد من أقاليم المملكة.

ومع تحول توقيت الراحة البيولوجية أو توقف الصيد عن الارتباط الحصري بتوصيات المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، أصبحت رزنامة كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري أداة تلاعب بشري وهندسة سياسية تخدم المصالح الانتخابية لحزب رئيس الحكومة.

ويتجاوز الأمر توقيت التوقف ليصل إلى ما يثار بشأن الامتيازات الإدارية والمالية المرتبطة بالقطاع. وفي ظل سيطرة قيادات حزب التجمع الوطني للأحرار على مفاصل القرار الحكومي وتوجيههم للنشاط الاقتصادي، تتناسل المعطيات حول تسهيلات إدارية مشبوهة، وتجديد استثنائي للرخص، وتوزيع للمساعدات والامتيازات المرتبطة بتدبير الحصص «الكوطا» لفائدة فاعلين موالين لحزب “الحمامة”.

وتفتح هذه الممارسات الباب على مصراعيه أمام شبكة واسعة من المصالح القابلة للاستثمار في الضغط والاستقطاب، بالنظر إلى ارتباط نشاط عدد كبير من العاملين في القطاع بقرارات الوزارة التي تتحكم فيها كاتبة الدولة زكية الدريوش.

وتشير المعطيات المتداولة إلى وجود محاولات ممنهجة لتوجيه أصوات فئات عريضة من البحارة والعاملين في قطاع الصيد البحري نحو مرشحي حزب التجمع الوطني للأحرار، في ابتزاز مقنن يربط لقمة عيش الكادحين بولاءات الصناديق.

إن تحويل قطاع استراتيجي وثروة وطنية مشتركة إلى أداة انتخابية في أيدي عزيز أخنوش وحزبه يكرس الخلط الفج بين النفوذ الحكومي الحزبي وتدبير المرافق العمومية.

وعندما تصبح قرارات إغلاق المصايد وتعديل مواعيد الإبحار محاطة بشبهات الحسابات السياسية الضيقة، فإن الضرر يمتد من النسيج الاقتصادي لقطاع الصيد البحري إلى صميم مصداقية المؤسسات وحياد الإدارة، مما يثبت أن رئيس الحكومة يتقن تسخير مقدرات الدولة لخدمة أجندات التمكين الحزبي والريع الانتخابي.

التعليقات مغلقة.