الجهوية المتقدمة في المغرب بين الإصلاح والعودة إلى المركزية

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

أثار مشروع القانون التنظيمي رقم 31.26 المعدل والمتمم للقانون التنظيمي المتعلق بالجهات موجة واسعة من الجدل في المغرب، بعدما عبرت 149 هيئة وائتلافا مدنيا عن قلقها الشديد من الطريقة التي يتم بها تمرير هذا المشروع، معتبرة أن الأمر يتم في غياب نقاش عمومي حقيقي ومقاربة تشاركية تليق بأهمية ورش الجهوية المتقدمة، الذي يعد أحد أبرز الاختيارات الدستورية والسياسية التي تبناها المغرب منذ دستور 2011.

وفي بلاغ مشترك، اعتبرت هذه الهيئات أن ما يجري حاليا يمثل “حالة هرولة” نحو المصادقة على تعديلات عميقة تمس جوهر الجهوية، دون إشراك فعلي للمنتخبين والفاعلين الترابيين والمجتمع المدني والجامعيين. وأكدت أن هذه المقاربة تعكس توجها مقلقا نحو إعادة تكريس المركزية الإدارية، بدل تعزيز الديمقراطية المحلية والتدبير الحر الذي نص عليه الدستور.

وترى الهيئات الموقعة أن القانون التنظيمي الحالي للجهات شكل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة المجالية والإنصاف الترابي، من خلال منح الجهات اختصاصات أوسع في مجالات التنمية والاستثمار والخدمات الأساسية. غير أن التعديلات الجديدة، بحسب البلاغ، تهدد هذه المكتسبات وتسعى إلى تقليص استقلالية الجهات وإعادة تركيز القرار بيد الإدارة المركزية.

ومن أبرز النقاط التي أثارت انتقاد الفاعلين المدنيين، العودة إلى منطق “المصادقة” بدل “التأشيرة”، وهو ما يعتبر تراجعا عن مبدأ التدبير الحر، إضافة إلى تجريد الجهات من حق تعيين المدراء وإضعاف آليات الرقابة والشفافية داخل الشركات الجهوية. وترى الهيئات أن هذه الإجراءات تطرح تساؤلات حقيقية حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما انتقد البلاغ استمرار العمل بمنطق “الجمعيات ذات المنفعة العامة”، معتبرا أن هذا التوجه يعيد إنتاج الانتقائية والتمييز داخل النسيج الجمعوي، ويحد من فرص المشاركة المتكافئة لمختلف الفاعلين المدنيين في التنمية الترابية.

وأكدت الهيئات أن دفاعها لا يقتصر على الحفاظ على المكتسبات الحالية فقط، بل يشمل أيضا المطالبة بتوسيع صلاحيات الجهات وتعزيز استقلاليتها المالية والبشرية والتقنية، حتى تصبح قادرة على لعب دور حقيقي في تحقيق التنمية المستدامة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وفي ختام البلاغ، دعت الهيئات أعضاء مجلس المستشارين إلى تحمل مسؤوليتهم الدستورية والتاريخية، والدفاع عن روح دستور 2011 ومبادئ اللامركزية والجهوية المتقدمة، مع فتح نقاش وطني واسع يشارك فيه مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين والأكاديميين قبل المصادقة على أي تعديل يمس مستقبل الجهات بالمغرب.

ويعكس هذا الجدل المتصاعد أهمية ورش الجهوية المتقدمة باعتباره ركيزة أساسية لبناء مغرب ديمقراطي قائم على العدالة المجالية والمشاركة المواطنة، بعيدا عن منطق المركزية والتحكم في القرار الترابي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.