الانتفاضة/ سلامة السروت
يشكل تجريم الإثراء غير المشروع أحد أهم الآليات القانونية التي تعتمدها الدول لمحاربة الفساد وحماية المال العام، خاصة في ظل تزايد مظاهر الاغتناء السريع وغير المبرر لدى بعض المسؤولين والموظفين العموميين. وفي هذا السياق، جددت منظمة ترانسبرانسي المغرب مطالبتها بإرجاع المقتضيات الخاصة بتجريم الإثراء غير المشروع إلى البرلمان المغربي، معتبرة أن سحب هذا المشروع يعكس غياب إرادة سياسية حقيقية لمواجهة الفساد المستشري في البلاد.
وخلال ندوة نظمتها المنظمة بالرباط تحت عنوان “رهانات تجريم الإثراء غير المشروع”، أكد عبد اللطيف قنجاع، عضو المنظمة، أن جرائم الفساد والرشوة واختلاس الأموال العمومية تتميز بطابع السرية والتواطؤ، مما يجعل اكتشافها أمرا معقدا. وأوضح أن الإثراء غير المشروع يمثل النتيجة المباشرة لهذه الجرائم، إذ يظهر على شكل ثراء فاحش لا يتناسب مع الدخل الحقيقي للمسؤول أو الموظف العمومي، مع عجزه عن تقديم تبريرات قانونية لمصدر تلك الأموال أو الممتلكات.
وأشار المتحدث إلى أن المغرب يعاني من “رشوة نسقية”، أي أن الفساد أصبح ظاهرة متغلغلة في مختلف القطاعات، وهو ما ينعكس سلبا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات. كما اعتبر أن غياب قانون واضح لتضارب المصالح، رغم التنصيص عليه في الفصل 36 من الدستور، يعد من أبرز مظاهر ضعف الإرادة السياسية لمحاربة الفساد.
وانتقد قنجاع الحكومة الحالية، متهما إياها بتضارب المصالح، خاصة فيما يتعلق بصفقات تحلية مياه البحر التي استفادت منها شركة مرتبطة برئيس الحكومة. كما أشار إلى امتناع الحكومة عن عقد اجتماعات اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، إضافة إلى عدم تجديد ولاية رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بسبب التقارير التي أصدرتها الهيئة والتي لم تكن في صالح الحكومة.
ومن بين النقاط المثيرة للجدل أيضا، تضمن مشروع قانون المسطرة الجنائية مقتضيات تحد من دور جمعيات المجتمع المدني في التبليغ عن جرائم المال العام، وهو ما اعتبرته المنظمة تضييقا على جهود مكافحة الفساد ومخالفة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وفي الختام، ترى “ترانسبرانسي المغرب” أن تجريم الإثراء غير المشروع لم يعد خيارا بل ضرورة ملحة لردع الفاسدين وحماية المال العام، خاصة إذا تم ربطه بمراقبة التصريح بالممتلكات وفرض عقوبات صارمة تشمل مصادرة الأموال غير المشروعة. فمكافحة الفساد تبقى شرطا أساسيا لتحقيق التنمية وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة.